هناك مثل خليجي من البادية يقول: «الهرج واجد والقول عند الأفعال»، بمعني أن الأفعال هي التي يعتد بها، لا الأقوال. تذكرت هذا المثل الشعبي لأبناء الصحراء العربية الذين ينطقون بالفطرة، وأنا أقلب كتاباً وضعه الأستاذ راشد الغنوشي أيام «الجهاد الأصغر»، وعنوانه: «الحريات العامة في الدولة الإسلامية»، نشره مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت في العام 1993.

ويكتسي هذا الكتاب أهمية قصوى، لأن صاحبه أصبح رئيس أكبر كتلة في الانتخابات التونسية التي جرت مؤخراً، وهو المرشح لأن يكون رئيس وزراء هذه الجمهورية العربية، التي انطلق منها الربيع العربي. ليس هذا فحسب، بل إن المُؤِلف قد انتقل من «الجهاد الأصغر» أيام وضعه هذا الكتاب، ونعني به حياة الاعتقال والتعذيب ثم التشرد والنفي، إلى «الجهاد الأكبر» حيث إغراء الجاه والمال وبريق الأضواء والشهرة، وحيث المجاهدة الحقيقية لتحويل تلك الآراء القيمة وتلك النظرة المستنيرة «للحريات العامة في الدولة الإسلامية»، ووضعها موضع التنفيذ.

وهو يسرد وقائع تأليفه لهذا الكتاب الذي «أعد في الأصل أطروحة للدكتوراه في كلية الشريعة بتونس»، فيقول: جاءت محنة السجن الأول (1981 إلى 1984)، إذ اقتلعتني من زحمة المشاكل اليومية لأفرغ همي، بعد أن انقطع الصراخ وخمدت إلى حين السياط، للإجابة عن التحدي (ويقصد به المشككين حول رأي الإسلام في مسألة حقوق المرأة والأقليات وحرية العقيدة ومسألة الردة وغيرها). ويضيف: فأمضيت سنتين في استيعاب ما طالته يدي من المراجع المتاحة، حتى إذا نضجت جملة من الأفكار والخيارات الواضحة حول المعضلات المطروحة، حدث انفراج سياسي إثر ثورة الخبز 1984، فغادرنا السجن تاركين حياة التأمل لننخرط في الفعل في قيادة الحركة.

ثم عاد إلى حياة الكتابة والدرس حينما أدرك أن السلطة تنوي اعتقاله، فنُصحت ـ يكتب الغنوشي ـ بالاختفاء طوال صائفة (هكذا بالنص) 1986 فكانت فرصة ثمينة، وحسبتها الأخيرة من أجل صياغة جملة أفكاري وقناعاتي وتجاربي، حول أهم معضلات الفكر الإسلامي التي طالما أرقتني. ثم يصف حاله وهو يسطر أفكاره على الورق، فيقول: لقد كانت لحظة من لحظات التحقق الصوفي، فكان هيناً علي أن أقضي لحيني، فخرجت من صومعتي وعزلتي مطمئناً، وكأني قد أنجزت ما أتأبى به على الموت، واستعصى على الفناء.

ولم يطل به مقام الحرية، إذ طلبت منه سلطات زين العابدين بن علي أن يكتب تعهداً لترك العمل السياسي واستخدام المساجد لأغراض الدعاية والتحريض، وهو أمر رفضه ليدخل بسببه السجن مرة أخرى، «فوجد الحكم علي بالسجن مدى الحياة شيئاً قليلاً، آمراً بتشكيل هيئة أخرى للمحكمة، ولم تبق إلا أيام معدودات، إلا أن قضاء الله قد سبق قضاءه، فوهبني الله عمراً جديداً، وخرجت من السجن (مايو 1988) بزخم جديد. وعدت إلى الكتاب مرة أخرى، باحثاً عن الظروف المناسبة لتقديمه إلى الجامعة».

وأطرف ما في الكتاب إهداءاته التي يبتدئها بالأقربين الذين هم أولى بالمعروف، ليعرج على أساتذته في جامعة دمشق، فضلاً عن زملائه هناك، ثم لا ينسى آباءه الروحيين ـ كما يسميهم - «وعلى رأسهم الشهيد حسن البنا، ومولانا أبو الأعلى المودودي، والشهيد سيد قطب، وأستاذنا مالك بن نبي، وإلى المجدد القائد حسن الترابي، وإلى قائد الثورة الإسلامية المعاصرة الإمام الخميني، والشهيد الصدر، والشهيد علي شريعتي، وآخرين والقائمة طويلة، ومنهم الأستاذ رجاء غارودي طليعة الغرب الإسلامي».

ثم لا ينسى الغنوشي «شهداء الإسلام» ـ كما يصفهم ـ فيهدي طائفة منهم، لعل أبرزهم «مالكوم إكس شهيد الإسلام في الجهاد ضد التمييز العنصري»، والمساجين الإسلاميين في تونس وفي كل مكان، «ورائدات التحررية الإسلامية النسوية»، وهي تسمية يطلقها على مجموعة من الناشطات في الحركة الإسلامية من قبيل «زينب الغزالي وسعاد الفاتح والتونسية جليلة الخمسي الصامدة وراء القضبان».

ويقدم إهداءه أيضاً «إلى مساجين الرأي والحرية من كل ملة، وفي كل صقع، المكافحين ضد الطغيان، وعلى رأسهم السيد غنزالو رئيس جماعة الدرب المضيء، المكافح ضد رموز الطغمة العسكرية في البيرو». ويأخذ «طلائع الفكر الغربي المكافحين من أجل تفهم وتعامل أفضل للإسلام ودعاته وأمته»، نصيبهم من إهداءات راشد الغنوشي، فيخص بالذكر منهم أربعة، ثلاثة منهم ينتمون إلى أقطار أوروبية هي إنجلترا وفرنسا وألمانيا، والرابع إلى الولايات المتحدة الأميركية.

أخيراً، المقام لا يتسع هنا لسرد ومناقشة آراء الأستاذ راشد الغنوشي في كتابه الرصين، والتي يبسطها على نحو 382 صفحة من القطع المتوسط، بل إن قصارى القول إنه ذهب إلى أن «الحريات العامة في الدولة الإسلامية»، هي تقريباً متطابقة مع تلك المبادئ التي تحكم المجتمعات الديمقراطية الغربية، مضافةً إليها النزعة الروحية النابعة من العقيدة الإسلامية.

يبقى أن ننتظر لنرى كيف يطبق الرجل على أرض الواقع، آراءه تلك التي أودعها دفتي كتابه، دون أن ننسى ذلك المثل البدوي الحصيف الذي استهللنا به حديثنا.