جانب كبير من ارتباك المجتمعات العربية التي غشيتها ثورات الربيع، يعزى إلى متغيرين رئيسين: فقدان البوصلة الأيديولوجية من جهة، وعدم التبلور القيادي والتنظيمي من جهة أخرى. في السوابق الثورية التاريخية الشهيرة، التي تمخضت عنها تحولات مجتمعية كليانية، كالتجارب الفرنسية والأميركية والروسية والصينية والإيرانية، كان حضور هذين المتغيرين أو عدمه، هو المحدد الأبرز في نجاح أو فشل أو استطالة أمد عملية هدم النظم والأطر القديمة، وبناء نظم وأطر بديلة على جميع الصعد، وكذا في تحديد المدى الزمني والكيفية التي تجري بها هذه العملية التحولية الكبرى.
لنا أن نلاحظ بالخصوص، كيف أن استئصال القديم المكروه وإبداله بالجديد الواعد، في نماذج الثورات الروسية والصينية والإيرانية، قد تم بوتائر أسرع وبحيثيات أعمق وأكثر جذرية. لقد تغيرت صورة الدولة ونظامها، وتغلغلت التحولات في تضاعيف المجتمع في كل واحد من هذه النماذج، بمعدلات زمنية وموضوعية قياسية، بالنظر إلى توفر الحزب القوي القائم على تصور فكري أيديولوجي واضح، وقيادة لا تعوزها مقومات الكارزمية.
هذا على حين عرفت الثورتان، الفرنسية أساسا والأميركية بدرجة أقل، قدرا أكبر من السيولة والهيولية الأيديولوجية والقيادية، مما أدخل كلا منهما في مرحلة انتقالية ممتدة قبل تحقيق الاستقرار. حقا تبنت الثورتان مجموعة من المبادئ الديمقراطية والإنسانية الأخلاقية العامة، بيد أن بنيتهما النظامية وقوامهما المؤسساتي لم ينضجا ولا تجذرا، إلا غداة تبلور التكوينات الحزبية وزوال الضبابية الأيديولوجية.. وقد دفعت الحالة الأميركية ثمنا باهظا من الحرب الأهلية، وكان عليها أن تؤجل طويلا تطبيق بعض طموحات الثوار الأوائل ومبادئهم، كالمساواة الكاملة في الحقوق السياسية بين المرأة والرجل، ومطاردة نوازع العبودية والتمييز القائم على أساس اللون.. قبل الوصول إلى المشهد الديمقراطي الذي نسمع ونرى في أيامنا هذه.
تقديرنا أن السيناريو الثوري العربي المتفاعل، وخاصة ما يتعلق منه باندياح الجماهير في الشوارع والميادين، هو أقرب إلى النموذج الفرنسي وقت إطلالته، التي افتقد فيها لعنصري الصرامة الأيديولوجية والاصطفاف الواعي تحت قيادة محددة تأمر فتطاع بلا معقب. ففي الأيام الأولى لهذا الاندياح، كانت الضبابية الأيديولوجية والتنظيمية والقيادية، هي الطابع الغالب عليه في مواقع الانتفاض جميعها تقريبا.. كان الانتفاض الشعبي واسع النطاق؛ شبه العشوائي، وليد غضب عارم طال احتباسه، ضد رموز النظم وقياداتها. ولم يكن من السهل تنسيب هذا الحراك الجماهيري الجارف إلى قوى سياسية حزبية منظمة دون غيرها، ولا إلى مرجعيات فكرية أو تيارات أيديولوجية بعينها.
تؤشر إلى هذه القناعة محتويات الشعارات والنداءات التي رددها المنتفضون، وتداولوها بعفوية وبراءة ملحوظتين، وكان معظمها يراوح حول مطالب الكرامة والعدالة والحرية، ودق عنق الفساد وما تجود به الخواطر من قيم عريضة مماثلة. وربما صح الاعتقاد بأن القوى الحزبية التقليدية، الإسلامية منها والقومية والليبرالية والاشتراكية، تولت بدرجات متفاوتة ترتيب أوراقها، واتخذت قرار الإفصاح عن انحيازها للمنتفضين، في أوقات لاحقة لموجات الحراك الشبابية الريادية، التي خلت من دسم التصنيفات سابقة التعليب.
مثل هذا الاعتقاد هو الذي يبرر تقولات البعض وتحليلاتهم، التي توحي بأن هذه القوى لم تكن صاحبة مبادرة ثورية أصيلة من لدنها، وإنما تمكنت من امتطاء المد الثوري الشبابي ضعيف الخبرة والتأطير والتنظيم، غداة أيقنت بأن النظم القائمة باتت آيلة للاندحار والهزيمة..
في كل حال، لا تستطيع الجموع السائبة، مهما كانت حسنة النيات ونبيلة الغايات، أن تضطلع بإدارة الدولة والمجتمع.. إذ تظل المرجعيات الأيديولوجية والاصطفافات التنظيمية والقيادات الحكيمة المتمرسة، شروطا لا غنى عنها للانخراط في عملية التغيير وإصلاح ما أفسده السابقون. ويمكن الجزم بأن علة التوقعات المحلقة في الأفق الثوري العربي الراهن، والتي تقطع بأيلولة الهيمنة على الحكم إلى التيارات والقوى الإسلامية، تستند إلى أنها الأكثر تنظيما والأرسخ أيديولوجيا، والأقدر على مداعبة مشاعر الجماهير واستثارة مخزونهم ومكنونهم الثقافي شبه الفطري..
على أن جدارة هذه القوى بهذا الاختبار، التاريخي بحق، مرهونة بمراعاة شروط أخرى غير التي ضمنت لها الغلبة والسبق.. كالحذر من الوقوع في غواية "دكتاتورية الأغلبية"، والوعي لأنها ليست الوحيدة في المضمار داخليا، وأن عليها طمأنة شركاء الفضاء السياسي الداخلي إلى تقيدها بمبدأ تداول السلطة، وأن لعوالم الآخرين من حولها مداخلاتهم ومصالحهم، التي يصعب تجاهلها بالكامل.