إن مشهد هذه الأكفان الناصعة البياض التي تطوف حول بيت الله تزيد من ضربات قلب كل من يراها وكأنه أمام مشهد يوم البعث. إن من لا يعتبر من هذا المشهد العظيم فإما أن يكون جاهلا أو حجرا. إنهم يطوفون حول هذا البيت الذي يعود إلى زمن إبراهيم عليه السلام وكأنها آخر دورة لهم في دورات الحياة. فهي تشبه إلى حد كبير دورات الفلك. فكم من نجم هوى وكوكب تحطم وشهاب انطفأ في لمح البصر. وإذا كانت هناك نجوم تبعد عنا بمليارات السنوات الضوئية وكواكب أعمارها بهذا العمر، وعمر الإنسان لا يتعدى السبعين عاما في أحسن الأحوال، فهذا يعني أن حياة الإنسان مهما عظم أمره لا تساوي ذرة في مسار ضوء واحدة من مليارات النجوم البعيدة، المنطلقة إلينا بسرعات مهولة.
هؤلاء كلهم جاؤوا من كل فج عميق، يبحثون عن الرحمة الإلهية. هاهم في أكفانهم وكأنهم جاؤوا ليودعوا الدنيا وما فيها. قلوبهم وجلة، ورؤوسهم عارية، وصدورهم خاشعة وأنفاسهم مضطربة لا يرجون سوى رحمته ومغفرته. الكل جاء طمعا في الجنة وخوفا من عذاب النار. وقليل منهم جاؤوا عبادة وخشوعا.
فرض علينا الحج مرة في السنة كما فرض علينا الصوم مرة في السنة. وجاء الصوم قبل الحج لعبرة. فالصوم يشعرنا بإمكانية الموت عطشا وجوعا. غير أن رحمة الله واسعة، فيأتي وقت الإفطار، فنحمد الله على نعمته الدائمة. وهكذا نكرر الدرس ثلاثين يوما. ثم يأتي العيد لنفرح بما حققناه من إنجاز وما تعلمناه من حكمة. ثم يأتي بعد ذلك الحج بعد فترة قصيرة من الزمن. ليذكرنا بهول الموت ومنظره. ويلبسنا الكفن لنعيش لحظات ما بعد الموت. ويعيشنا منظر يوم الحشر الذي لا مفر منه. لعلنا نعتبر مرة أخرى أن الحياة قصيرة وأن الموت حق، وأن الدنيا فانية، وأن جمع المال وظلم الناس وقتلهم لن يزيد عمرنا يوما ولن يؤخرنا عن الموت ثانية.
ولكن هل نعتبر من هذه الدروس؟ كما نعتبر من دروس صلاتنا خمس مرات في اليوم؟ أم أننا نؤديها لأنها لا تعدو كونها فريضة فرضت علينا؟
لذا، على كل ملك وكل حاكم وكل مسؤول وكل ظالم أن يذهب لزاما للحج في كل عام، لا ليغتسل من ذنوبه إن وجدت، وإنما ليعتبر أن الحياة عابرة وخالية كالفقاعة ولن يحمل منها سوى كفنه الذي يرتديه اليوم. وأنه مهما عظم شأنه وطال ملكه واتسعت مملكته فهو في نهاية الأمر كواحد من هؤلاء البسطاء من البشر الذين يطوفون معه حول نفس المركز، ويلامسون كتفيه ويطأون قدميه ويدفعونه يمنة ويسرة. بينما هو غير قادر في حضرة الرب أن يتفوه بكلمة واحدة ولا أن يحتج ولا أن يزبد ولا أن يوقف أحدا ولا يسجن عبدا من عباد الله ولا أن يأمر خدمه ولا حاشيته ولا يستطيع حتى أن يحمل نفسه إن تعثر تحت أقدام هذه الأفواج من ملايين البشر السائرة دون هوادة نحو نفس الهدف.
على كل عنصري في العالم أن يذهب إلى الحج مرة كل سنة أو مرة في العمر. ليتعلم هناك كيف أن الإسلام ساوى بين كل الأجناس وكل الألوان وكل الأعراق وكل اللغات وكل الجينات وكل المذاهب الإسلامية. وهو درس إسلامي عالمي فريد من نوعه. إنها العدالة التي يفتقر إليها العالم الغربي. وكما تعلم الغرب من العرب علوم الكيمياء والطب والحساب والفلك وغيرها من العلوم، ثم تعلم اليوم منه كيف يثور ليطالب بحقوقه، عليه أن يتعلم منه كيف يساوي بين البشر ولا يكيل بمكيالين حيث تميل مصالحه ليقف مع القوي ضد الضعيف ومع الأبيض ضد الأسود ومع الغني ضد الفقير.
على كل فاقد للأمل من العرب والمسلمين أن يحج في العمر مرة، ليرى قطرة صغيرة من محيط المسلمين إن اجتمعوا على يد واحدة. فعدد هؤلاء الذين رأيتمهوهم على شاشات التلفزة وخلبوا قلوبكم بمنظرهم لا يتعدون الثلاثة ملايين نسمة فقط، وعدد المسلمين يربو على المليار نسمة. إنها حقا قوة عظمى ضاربة بلا منازع. وإن اجتمعت لقلبت مقاييس العالم. لذا، فإن جل ما يرعب الغرب والشرق أن ينهض المسلمون من سباتهم ويسووا خلافاتهم ويتحدون بكل الألوان والأجناس والأعراق ليشكلوا حضارة جديدة سامية.
اليوم، الأحد، العاشر من ذي الحجة، اتفق المسلمون في كل أرجاء الدنيا على أن يفرحوا بعيدهم على شكل مؤتمر إسلامي عالمي موحد في تحد صارخ لكل من يريد أن يزرع الفرقة بينهم، فلم يعد هناك لا سني ولا شيعي ولا درزي ولا علوي ولا زيدي ولا غيرها من المسميات التي أطلقها المسلمون على أنفسهم ظلما وبهتانا، وهم في غنى عنها إلى يوم قيام الساعة. فهل يأخذ من ينتمون إلى المذاهب المختلفة العبرة من هذا اليوم؟ يوم الوحدة الإسلامية العظيم؟
هل هناك سني وشيعي ودرزي وعلوي وزيدي يركع ويسجد ويعبد ويصلي ويخشع ويتجه في هذا اليوم وأمس وقبله لغير وجه الله جل جلاله؟ وهل هناك واحد من بين جميع هؤلاء من لا يؤمن أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم حق، وأنه رسول المسلمين بجميع طوائفهم؟ وهل هناك أروع حكمة من حكمة الحج التي تدعونا للوحدة الشاملة باختلاف ألواننا وأنسابنا ومذاهبنا؟
أليس الله هو القائل: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون) ؟
لدى كل واحد منكم خير الجواب....
وكل عام وانتم بخير!