لقد أثبتت الشعوب العربية قدرتها على إحداث التغيير في منطقة لطالما وصفت بأنها من أكثر المناطق رفضاً للتغير وأصعبها في تحقيقه. فجاءت الثورات والانتفاضات الشعبية العربية ضد بعض الأنظمة الحاكمة في بعض الدول العربية لتؤكد قوة هذه الشعوب وحيوية هذه المنطقة.
تونس التي بدأت شرارة الثورات الشعبية في العالم العربي بدأت هي أيضاً أولى الخطوات نحو التحول لتحقيق مفهوم المشاركة السياسية الشعبية في عملية صنع القرار من خلال الانتخابات الأخيرة التي جرت هناك، وهي الخطوة التي ستتبعها دول أخرى خلال الفترة القصيرة القادمة.
لعل أبرز ما أنتجته العملية الجديدة في تونس هو وصول التيار الإسلامي وقدرته على حشد التأييد الشعبي له من خلال حصوله على النسبة الأكبر من مقاعد المجلس الوطني التأسيسي. ولم تكن تلك النتيجة مفاجئة لأحد، بل على العكس كان الكثيرون يتوقعون حصول حزب النهضة على العدد الأكبر من المقاعد، وهو ذات الأمر المتوقع حدوثه في مصر وليبيا.
هذه الدول جميعها دول إسلامية استطاع الفكر الإسلامي أن يتوغل فيها بسبب أخطاء سياسية من قبل الأنظمة الحاكمة التي همشت أصحاب هذا الفكر لعقود طويلة وأظهرته لعامة الناس بأنه بعيد كل البعد عما كان يحدث في تلك البلدان من فساد سياسي ومالي وإداري. وعليه فإنه عندما أصبح للشعب كلمته في الاختيار كان أصحاب التيار الإسلامي هم الأقرب للقلوب باعتبار أن أصحاب معظم التيارات ألأخرى قد تم على الأقل وبشكل ما تجربة وجودهم في السلطة.
فليس من المستغرب إذاً أن يصل الإسلاميون في تلك الدول إلى السلطة، وبتفويض شعبي أكبر من غيرهم من التيارات.
لكن الأمر المهم في هذه المعادلة هو مدى القبول بهؤلاء الحكام الجدد دولياً، ولا سيما من قبل الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية، حيث إن أي قطيعة أو رفض لإشراكهم في الحكم وعرقلة ما يقومون به في سبيل تحقيق هدف النهوض ببلدانهم سيكون له عواقب وخيمة من شأنها أن تدخل مثل تلك الدول في متاهات وعراقيل جديدة.
لذلك فعلى الولايات المتحدة أن تدرك بأن ما يمارس في مثل تلك الدول قد لا يكون هو ذات الديمقراطية التي تمارس في الولايات المتحدة أو الدول الغربية، بل هي ديمقراطية هجينة تنطلق من خصائص وظروف مجتمعات مختلفة كل الاختلاف عن الولايات المتحدة، إنها مجتمعات مسلمة. فإذا كانت الولايات المتحدة تفرق بين الدين والحكم فعليها أن تدرك بأن تلك المعادلة لا يمكن أن تنجح في دول تكن شعوبها بالإيمان بمعتقدات دينية تؤثر على مختلف مفاصل حياتها بشكل مباشر.
ففصل السياسة عن الدين أمر غير مجد في الدول العربية، بل الدين هو جزء من حياة الناس ومن شؤونهم المختلفة بما فيها السياسية، تماماً كما هو الحال مع معظم الدول الديمقراطية الغربية التي لا تفصل السياسة عن الدين فصلاً كاملاً كما تحاول الولايات المتحدة وفرنسا فعله.
لذلك فعلى الولايات المتحدة والدول الغربية تشجيع هذه التجربة الجديدة، فالحديث يجب ألا يكون عن نشر الديمقراطية ورفض الإسلام، بل إن الحديث يجب أن يكون عن ربط الديمقراطية بالإسلام في مفهوم جديد قد يكون أقرب إلى مصطلح الإسلامقراطية كما يسميها البعض، وإن كان هذا المفهوم مبالغاً فيه نوعاً ما إلا أن الديمقراطية لا بد أن ترتبط بالإسلام باعتبار أن الواقع الاجتماعي في مثل تلك الدول العربية يفرض مثل هذا التوجه. وإن كان على الغرب التعامل مع العامل الإسلامي فإن على التيارات الإسلامية التعامل مع العامل الديمقراطية بشكل محوري وأساسي في طريقة توليهم شؤون البلاد.
فالإسلامقراطية يجب ألا تعني إقصاء الآخر ورفضه، ويجب ألا تعني الاستئثار بالحكم، ويجب ألا تعني فرض ضوابط وشروط تقيد وتحد من حرية الإنسان وحقه في العيش بالشكل الذي يحدده. بل لا بد أن تكون الإسلامقراطية نموذجاً للمزج بين الفكر الإسلامي والممارسة الديمقراطية، بحيث تستطيع تقديم نموذج لا يفصل نفسه عن واقعه الداخلي ولا يبعده عن واقعه العالمي.
إن المرحلة المقبلة هي مرحلة بناء المستقبل في دول مثل تونس ومصر وليبيا، وهي مرحلة من شأنها ألا تؤثر فقط على واقع ومستقبل الحال في تلك الدول بل سيكون لها تأثير كبير على مستقبل العديد من الدول في المنطقة، لا سيما تلك الساعية إلى تحسين أوضاعها السياسية بعيداً عن سيطرة الحزب والفرد الواحد. فعلى الجميع أن يأخذ بعين الاعتبار واقع تلك المجتمعات وينطلق بها نحو تحديد مستقبله، وعلى الغرب أن يدرك بأنه ليس النموذج الأميركي ولا النموذج الفرنسي هما الوحيدين اللذين يجب أن يتبعا في الدول الطامحة للديمقراطيــة، فهــذه العــراق أبــرز مثــال علــى فشل النمــوذج الأميركــي في تحقيق نظام بعيد عن واقعــه الدينــي، فكما نجحــت تركيــا ومالــيزيا وإندونيسيا فإن الآمال تتطلع لنجاح تونس ومصر وليبيا.