الربيع العربي فتح الباب واسعاً للأحزاب الإسلامية، وعلى رأسها حزب «الإخوان المسلمون»، كي تدخل في امتحان تاريخي عسير، امتحان لطالما طالبت، بل و"جاهدت" هذه الأحزاب لكي تتاح لها فرصة الامتحان، فتُجرب ثم بعد ذلك ليُحكم عليها. وشاهدنا جميعاً وسمعنا أثناء ثورات تونس ومصر وليبيا، وما زلنا نشاهد ونسمع ـ بين الفينة والأخرى ـ في ساحات اليمن وسوريا، قيادات هذه الأحزاب وهي تتحدث عن خيارها الديمقراطي وتمسكها بثوابته، من تعددية وحرية رأي وعقيدة وغير ذلك. وطمأنتها للغرب من حكومات ورأي عام، بأن فوزها في الانتخابات لن يجلب حكماً شبيهاً بطالبان، أو ما هو قائم في إيران منذ نجاح ثورتها قبل ثلاثة عقود.
وسمعنا ونسمع، مرة تلو الأخرى، ذكر هؤلاء نموذجهم وقدوتهم المتمثلة في تركيا، ورغبتهم في تبني "نظام إسلامي" شبيه بذاك الذي يطبقه أردوغان وحزبه المسمى بـ"العدالة والتنمية". وليس مستغرباً أن لا يبدي هؤلاء إعجابهم بتجربة حزب "العدالة" وقيادته للأمة التركية ذات التراث العلماني العريق، فقدرة هذا الحزب على التوفيق بين مبادئه الدينية الروحية، وبين مقتضيات الحياة السياسة الواقعية، هي مثار إعجاب وقبول الجميع. ثم إن تركيا الآن دولة تنمو اقتصادياً بشكل جيد، في زمن يشهد فيه العالم أزمة كساد وتباطؤ في النمو. وتركيا التي نفضت يدها عن شؤون المنطقة العربية منذ عهد أتاتورك في عشرينات القرن الماضي، عادت إليها بقوة كي تنافس على قيادتها.
وكان أول الغيث الفوز الكاسح لحزب النهضة التونسي بقيادة راشد الغنوشي، الذي ما أن بدأت تباشير نتائج الانتخابات بالظهور، حتى صرح بتصريحات ربما تعتبر الأولى بمقاييس الأحزاب الإسلامية، وهي تعد سوابقَ للأحزاب الإسلامية الأخرى يمكن البناء عليها! فهو وعد بألا يفرض الحجاب فرضاً، ووعد بإشراك المرأة في حكومته كما فعل في حملته الانتخابية، وصرح بأنه لا ينوي إقامة حكومة دينية، بل حكومة مدنية، ثم مد يده إلى الأحزاب العلمانية ليكوّن معها ائتلافاً. أما أيام حملته الانتخابية فقد كان منفتحاً، إلى درجة أنه ارتضى أن تكون ضمن قائمته مرشحة سافرة، ومرشحون على درجة شديدة من التنور والانفتاح!
ترى، هل هذا الخطاب المنفتح، وهل هذا الفعل السياسي المرن، هو "تكتيك" تقوم به "النهضة" وربما من بعدها الأحزاب الإسلامية، في هذه المرحلة التاريخية الحاسمة في حياة الشعوب العربية؟ أم هو ثمرة قناعة تكونت نتيجة التجارب المرة أيام السجون والتشرد والمنافي، مضافاً إليها حصيلة "تطبيق الشريعة الإسلامية" ـ كما تتصوره تلك الأحزاب ـ في هذه التجربة أو تلك من بلاد الإسلام الواسعة على مدى العقود الطويلة؟ ترى، هل تتحول هذه الأحزاب إلى مثيلاتها الأوروبية "الأحزاب الديمقراطية المسيحية"، التي تتبنى الليبرالية بأركانها المختلفة، مع مسحة روحية مستمدة من الديانة المسيحية؟ أم أن هذه الأحزاب عاجزة عن ذلك، نظراً لقياداتها "العتيقة" وتصوراتها عن الإسلام البعيدة عن روح القرن الواحد والعشرين؟!
لا أحد يستطيع الجزم بحقيقة الأمر، اللهم إلا من لديه مواقف مسبقة من هذه الأحزاب: تأييداً أو رفضاً. أما الإجابة الحاسمة فسيسطرها المستقبل وتطوراته، وتنوعات الأحزاب الإسلامية في كل بلد عربي، والإرث الاجتماعي والسياسي القائم فيها، والتركيب الطائفي والقومي فيها، ونوعية اقتصادها، وما إذا كانت هذه الدولة أو تلك معتمدة على النفط أم على موارد أخرى، وغيرها من عوامل قد لا تكون جلية الآن.
إن دولاً كتونس ومصر واليمن وسوريا، حيث تشكل فيها الأحزاب الإسلامية، والإخوان المسلمون على وجه التحديد، قواسم مشتركة، وأخرى متباينة.. هي دول غير نفطية أو بالكاد يكفيها إنتاجها لاستهلاكها الداخلي، وبالتالي فموارد الدولة فيها تعتمد على الضرائب بأنواعها، وعلى مشاريع القطاع العام (التي عادة لا تدار بشكل اقتصادي مربح). إذن، من يستلم السلطة في هذه الدول ليس لديه الكثير لشراء رضى الناس، وعليه واجب تنويع الدخل وإيجاد مصادر متنوعة له. إن ثلاث دول من هذه (تونس، مصر، سوريا) تعتمد كلياً (كحال تونس) أو جزئياً (مصر وسوريا)، على السياحة. فكيف يا ترى ستتعامل هذه الأحزاب مع الشأن السياحي؟ وبأي وسيلة تستطيع تطويره كي توفر الأرزاق للآلاف المؤلفة من مواطنيها، إذا كان تطوير السياحة يستلزم الانفتاح الاجتماعي واحترام الحريات الشخصية بمفهومها الحديث؟
ونلحظ أن تونس وليبيا، وإلى حد كبير اليمن، لا تعاني من الانقسام الطائفي، أما مصر وسوريا فالمسألة الطائفية واضحة المعالم، إضافة إلى المسألة الكردية في الأخيرة. ترى، بأي منطق سيتعامل الإخوان مع هذا الواقع، هل وفقاً لمفاهيم المواطنة الحديثة التي من خلالها يكون المواطنون متساوين في الحقوق، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية، وما يترتب على ذلك من تغيير لممارسات الدولة حيال الأقليات، أم ما نسمعه من هذه الأحزاب إنما هو كلام للاستهلاك "الخارجي"؟
أخيراً، هذه لحظات تاريخية، حيث تنزل فيها خطابات الجماعات الإسلامية وشعاراتها من عالم المثل إلى أرض الواقع.. ترى هل تستطيع هذه الشعارات والخطابات، أن تتجسد في ممارسات تتماشى مع روح العصر وما تطرحه هذه الجماعات ليل نهار من وعود، أم أننا سنشهد فصلاً مأساوياً آخر كما شهدناه في خمسينات وستينات القرن الماضي؟!