في زيارة حديثة لي للولايات المتحدة، لاحظت من جديد ما تتسم به الحياة اليومية في أميركا من انضباط، هو العكس تماما لما تتسم به حياتنا اليومية في مصر من تسيب. لا تساهل في الولايات المتحدة مع أي إخلال بسيط بواجبات الوظيفة، أو بما يفرضه القانون، سواء تعلق الأمر بعمل خطير أو بسيط.

وقد سألت نفسي في هذه المرة: ما هو الهدف النهائي من كل هذا الانضباط؟ وببعض التأمل في نمط الحياة الأميركي، وصلت إلى أن الهدف بسيط للغاية، يدور كل شيء في أميركا حوله، ويجري الاعتراف به في كل لحظة، ويُذكّر به كل أميركي وكل زائر لأميركا لدى اتخاذه أي خطوة؛ إذا استقل طائرة، أو اشترى سلعة، أو شرع في القيام بنزهة، أو ودّع صديقا، أو احتفل بأي مناسبة من المناسبات: "تمتع بالحياة!".

 بل إن الإقامة بضعة أيام في مدينة أميركية كبيرة مثل نيويورك أو سان فرانسيسكو أو لوس أنجلوس، تعطيك شعورا بأنك تسير في وسط مهرجان كبير، لا ينتهي فيه عصر السلع والخدمات الجذّابة، مع الإلحاح المستمر في إظهار كل منها بأنها ضرورية للحياة، وفي الوقت نفسه قادرة على جلب منتهى المتعة، أو حتى السعادة لمن يشتريها.

المجتمع الاستهلاكي ليس بالطبع ظاهرة جديدة في أميركا، إذ إن عمره الآن يزيد على الخمسين عاما، ولكن حدث خلال هذه الخمسين عاما ما حوّله إلى شيء يشبه الهستيريا. فالناس رائحون وغادون في كل اتجاه، من أجل اقتناء هذه السلعة الجديدة، أو تجربة ذلك المطعم الجديد، أو رؤية هذا العرض التمثيلي أو الغنائي الذي لم يسبق له مثيل.. الخ. ولم تعد قلة ما لديك من مال عائقا يمنع من الاستمتاع بهذا كله، فالدفع يمكن تأجيله، وأي ثمن يمكن تقسيطه، ويوجد من كل سلعة أو خدمة الصنف الذي يتناسب مع دخلك.

في وسط هستيريا الاقتناء هذه، لاحظت أن نسبة عالية جدا من حديث الناس، تدور حول جانب أو آخر من جوانب الاستهلاك. فالحصول على أي تخفيض في سعر سلعة أو خدمة ما، يعتبر نجاحا مهما يستحق بذل الجهد من أجله، وعملية الشراء تصبح أكثر فأكثر فنا من الفنون بالغة التعقيد، إذ كيف تمكنك المقارنة بين مئات الأصناف المعروضة للحصول على أفضل صفقة؟

وكيف تقارن بين الشروط المختلفة للتقسيط التى تعرض عليك؟ وكيف تتخذ القرار بما إذا كان تخفيض سعر الوجبة في أحد المطاعم، أثناء تلك الفترة المسماة "الساعة السعيدة" (Happy Hour)، لا يقترن به تخفيض في مستوى الوجبة أو حجمها؟ أصبح اتخاذ قرارات الاستهلاك إذن هو الشاغل الأعظم للناس، إذ إن الاختيارات المعروضة عليهم تزداد عددا وتعقيدا يوما بعد يوم.

كان حفيدي الذي أتى معي في زيارة لأميركا، والذي يبلغ من العمر ستة عشر عاما، يبدو فرحا عند عودته من جولته الصباحية في بعض محلات الملابس، وقال لي إنه حصل على صفقة ممتازة لشراء بنطلون جديد. أراني البنطلون بفخر، وهو من النوع المعروف (بالبلوجينز)، ولكنه من ماركة معينة يتباهى الشباب الآن في العالم كله باقتنائها. لم أستطع أن أتبين ميزة واضحة لهذه الماركة عن غيرها، ولكن الأمر كان واضحا تماما في نظره، وعجزي عن إدراكي لهذا التميز، لا بد أنه يعود إلى تقدمي في السن.

قال إنه عثر على هذا البنطلون بين أكوام معروضة في محل ملابس شهير، ولكن بتخفيض كبير في السعر، والشاطر هو من يعثر على ما يبتغيه بالضبط، وعلى مقاسه بالضبط، بين هذه الأكوام من الملابس. سألته عن الثمن الذى دفعه، فذكر لي مبلغا اعتبرته كبيرا جدا، أيا كان نوع البنطلون وعظمته. ولكنى كتمت شعوري بالطبع، وأشرت بدلا من ذلك إلى عدة ثقوب واضحة جدا في مواضع مختلفة من البنطلون، فقال لي باستغراب "ولكن هكذا الآن البنطلونات؟!"، أي إن هذه الثقوب متعمدة ولا تقلل من قيمة البنطلون، بل تزيدها. عند هذه النقطة توقفت عن توجيه أي سؤال، واكتفيت بتهدئته عندما قال لي إن سعره الأصلي كان كذا، بينما حصل عليه بكذا. لم أسأله مثلا عن سر ثقته بأن هذا هو فعلا السعر الأصلي، أو عن طريقة تحديد ذلك السعر الأصلي ابتداء.

قررنا في يوم آخر أن نذهب إلى تناول العشاء في مطعم جديد ذاع صيته، وكان لا بد من تجربته (بل أصبحت تجربته ضرورة من ضرورات الحياة)، ولكن كان علينا أن نذهب مع ابنتي في طريقنا إلى المطعم، إلى أحد محلات الملابس لكي تستبدل بقطعة ملابس اشترتها بالأمس قطعة أخرى من مقاس آخر، بعد أن اكتشفت ما وقعت فيه من خطأ. لم يكن أمامنا وقت طويل قبل أن نجلس لتناول العشاء في المطعم الجديد، ولكن حفيدي رأى في الطريق محل سندوتشات شهيرا فطلب أن نتوقف عنده.

كانت شهرة المحل ترجع إلى طريقة الشراء، أكثر مما ترجع إلى طبيعة السندوتش الذي تحصل عليه في النهاية. فأنت لا تحتاج للنزول من سيارتك أو للسير على قدميك خطوة واحدة، بل تدخل سيارتك في ممر إلى أن تصل إلى مكان تسمع فيه من خلال ميكروفون، صوتا نسائيا، دون أن ترى مصدره، تسألك عن نوع السندوتش الذي تريده.

ومن هذا السؤال البسيط يتفرع نحو عشرين سؤالا أو أكثر، عما ترغب في إضافته إلى السندوتش: هل تريد مع اللحم أوالتونة أو الجبن، قطعة من الخسّ؟ وبعض الطماطم؟ وبعض المايونيز؟ وخيار؟ وصلصة من نوع معين؟ أم صلصة من نوع آخر؟ ...الخ. وهكذا تنهال عليك الأسئلة وأنت تجيب عن كل منها بنعم أو لا، فتتخيل نفسك كملك أو أمير، لا همّ للناس إلا القيام بخدمتك وإشباع أي رغبة لك. بعد أن تنتهي هذه العملية المعقدة من الأسئلة والأجوبة، تسير بسيارتك بضعة أمتار أخرى لتجد السندوتش الرائع جاهزاً في انتظارك.

رأيت العملية مضحكة للغاية. فأمر تافه وغير ضروري بالمرة، تحوّل في هذا المجتمع الاستهلاكي إلى أمر في منتهى الجدية. والعامل أو العاملة التي تقوم بخدمتك، لا بد أنها بعد قليل من الوقت خيّل إليها أنها تقوم بمهمة جليلة للغاية. بل تصورتُ رجلا متوسط العمر يذهب إلى مكان عمله في الشركة التي تقدم هذه الخدمة، وهو في كامل هندامه، وقد يحمل حقيبة سوداء من ماركة السامسونايت الشهيرة، ليجلس إلى مكتبه، ويحاول الوصول إلى أفضل قرار، من وجهة نظر الشركة، في هذه القضية الخطيرة: هل يضيف بعض شرائح من البصل إلى قائمة الأشياء التي تعرض على المشترى للاختيار من بينها، أم يُكتفى بما ذكرته من قبل؟