هكذا هي الإمارات على الموعد دائماً، إذا أقدمت على صنع شيء أبهرت وتفردت. الإمارات صانعة التميز وموطنه، فلترتفع ناطحات السحاب أينما كانت، ولكن عندما تبني الإمارات يكون برج خليفة الذي تخطى عدد زائريه الملونين، الأكبر والأعلى والأحدث، وقبلة السائحين ومحبي المغامرة، بجمال نوافيره الموسيقية ودفء البيئة المحيطة وحميميتها. ولتنظم مهرجانات السينما في معظم دول العالم، ولكن عندما تعقد على أرض الإمارات في أبوظبي أو دبي، يكون كمهرجان "كان" العرب، ويقبل عليه صناع الفن والسينما والمبدعون عرباً وأجانب.
وإذا أردت معرفة المردود الإيجابي الذي يتركه، تابع ما يكتب عنه بعد انتهائه، من دقة تنظيمه واحترافية عقده الذي سبقت فيه دولًا عدة، فالفضل ليس دائماً لمن سبق، ولكن الفضل لمن صدق. وليتم مد خطوط الأنفاق في مناطق شتى من العالم، ولكن عندما تفعلها الإمارات يكون مترو دبي الأطول عالمياً من دون سائق. وليدشن بمشهد رائع وفريد لقيادة رشيدة اعتادت أن تكون بين الناس، تسعد لسعادتهم.
ومن المهم أن تكون هناك جوائز للقرآن الكريم وحامليه، ولكن عندما تقيم الإمارات في دبي مسابقة القرآن الكريم، تكون الأضخم والأكبر وملتقى العلماء من كل حدب وصوب. هكذا هي الإمارات إذا تصدرت، وهذا هو سر تجربتها التي أدهشت العالم، حتى في أشد الأوقات صعوبة عندما رفعت راية التحدي لإكمال مسيرة التنمية.
كما جاء على لسان عمرو موسى الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية. سر الإمارات أنها عرفت طريقها بين الحداثة وعبق التاريخ، لم تنس وهي تقيم أهم المهرجانات السينمائية العربية، حقيقة تاريخنا العربي الإسلامي، هذا التوازن هو الذي يحفظ للشخصية الإماراتية أصالتها. تتوغل في الحداثة فتلك لغة العصر، في الوقت الذي تستند فيه إلى ميراث حضاري لا تتنكر له، بل تعتز به ولا تخلع ثوبه.
من هذا المنطلق جاءت جائزة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد للسلام، لإزاحة ما علا صورة الإسلام الناصعة من بعض الكارهين لها، أو الخائفين من سطوعها، أو الجاهلين بحقيقتها.
ولا شك في أن الانهيار الذي حدث للكيانات العظمى في نهاية القرن الماضي، دفع بالكثير من الدوائر الاستراتيجية لدارسة الإسلام في جانبه الديني، إضافة إلى جانبه الحضاري؛ لإيمانها بقوة دعوته ومتانة قواعده، وقدرته على الاستيعاب والإقناع، إضافة إلى فريق آخر ناصبه العداء، وعلى غير حقيقته ألبسه ثوب المعادي للغرب والمهدد لمصالحه، وهو في ذلك كمن يحاول إخفاء ضوء الشمس.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك الحد، بل انعكس على المضمون الإعلامي، عبر آلة إعلامية صاخبة، لم تألُ جهدا أو تدخر وسعاً في تكريس صورة مشوهة عن الإسلام، عبر انتقاء نماذج بعينها وتعميمها، فضلًا عن تكريس المصطلحات المتحيزة ضد الإسلام، والتغطية غير الموضوعية لأحداثه، خاصة في ما يتعلق بالحريات وأوضاع المرأة وغيرها، ساعدهم في ذلك ضعف الإعلام العربي وضآلة قدراته، في زمن باتت فيه السماء مفتوحة لكل من يريد أن يبث خيراً كان أم شرًا، للحد الذي اعتبر بعض منظريهم "الإسلام المساعد على إذكاء الصراعات".
ولأن الأمر كذلك، فقد أصبحنا نعيش زماناً بات فيه إيضاح صورة الإسلام بصفائها ونقائها، فرض عين على كل مسلم، بعد أن علا صوت الأباطيل التي يروَجها أعداؤه، غافلين حقيقة هذا الدين أو جاهلين بها، وساعين إلى تكريس الصراعات البشرية على أساس ديني، بدءًا من الحملات الصليبية، وليس انتهاء بأحداث الحادي عشر من سبتمبر، ومنظرين، لا هم لهم إلا الحديث عن صدام الحضارات، مما يعد جريمة تعصف بالسلام والأمن الدوليين، عبر إشاعة حالة من الترصد والشك وانعدام الثقة بين الشعوب كافة، لمصلحة عناصر بعينها تعيش على آلام الناس وتقتات بأوجاعهم، كأغنياء الحروب.
ولأن العالم ينظر إلى الإسلام من خلال واقع المسلمين، كان لزاماً على أبناء هذا الدين أن يظهروا للعالم ما لديهم، وأنهم قادرون على صنع واقع يستند إلى العلم والحكمة والقيام بمبادرات خلاقة؛ لجبر الكسر وتصحيح المفاهيم لدى أبنائه أولًا، بما ينعكس على صورته خارج أرضه ثانياً.
والمتتبع لتاريخ الإمارات ومواقف قادتها، يجد أن نشر قيم الإسلام بسماحتها ووسطيتها، لم يكن يوما بعيداً عن منطقهم ومنطلقاتهم، ولم تتراخ يوما في تعزيز كل ما من شأنه نشر فكر ومنهج الدين الإسلامي، بجوهر دعوته التي وسعت البشرية كلها، والتي جعلت شرطا أساسيا من شروط صحة الإيمان، هو التصديق بالرسالات السماوية السابقة كتباً ورسلًا. تلك الشريعة التي انتشرت عبر القارات بسلوك معتنقيها، فكانوا النموذج والقدوة لمن حولهم، حتى عندما تبدل حال أبنائها في أزمنة تراجع فيها المسلمون وتقدم غيرهم وتراخوا، ظلت مبادؤها غالبة بحفظ الله عز وجل لها، وقوة الدفع الكامنة فيها.
إن حقيقة الإسلام كارهة للتمييز على أساس اللون أو العرق، منذ ما يقارب الألف وخمسمئة سنة، والشاهد عندما حدثت المشادة بين سيدنا بلال بن رباح وأبي ذر الغفاري - رضي الله عنهما- فقال له أبو ذر: يا ابن السوداء، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أعيَّرته بأُمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية". فما كان من أبي ذر إلا أن وضع وجهه على الأرض، قائلًا: والله لن أرفعه حتى تطأه بقدمك يا بلال. وهو صلى الله عليه وسلم من قال على سلمان الفارسي: "سلمان منا أهل البيت"، في الوقت الذي ظلت فيه بقاع كثيرة من دول العالم حتى عقدين من الزمان، غارقة في أقبح أشكال العنصرية والتمييز بين البشر.
صورة الإسلام التي رسمها حامل الرسالة صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم جميعاً، في احترام الإنسان لكونه إنساناً، فيه نفحة من روح الله عز وجل. ألم يقف الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، عندما مرت جنازة، فقيل له: إنها ليهودي، فقال "أوَ ليس نفساً!". وهو القائل: "من عادى ذِمّيا فأنا خَصِيمه يومَ القيامة" وفي موضع آخر"من آذى ذمياً فقد آذاني". والله عز وجل قال عنهم في محكم التنزيل "ليسوا سواء".
الإسلام دين الرحمة بالإنسان، وبالحيوان الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذبحه إلا للأكل. وعندما وجد الفاروق عمر رضي الله عنه أحد الصحابة يجر حيواناً لذبحه، قال: "قدها إلى الموت قوداً جميلًا". بل إن امرأة دخلت الجنة عندما سقت كلباً "فشكر الله لها وغفر ذنبها"، في الوقت الذي ما زالت فيه أمم تتسامر بمشاهدة مصارعة الحيوانات حتى القتل، وتدًعي التحضر!
إن جائزة السلام كانت بحق عند الموعد، كما كانت دبي دائماً عنده.