ما هو المفهوم التقليدي للمواطنة في الخليج؟ وما هي المتغيرات التي طرأت عليه عبر العقود الماضية وحتى اللحظة الحاضرة وإلى أي مدى تعد تلك المتغيرات مرتبطة بقيام الدولة بأطرها التشريعية والقانونية الحديثة والتي لم يعرف أهل الخليج سواها في تاريخهم الحديث والمعاصر؟

أسئلة كثيرة تدور في ذهن وعقل المواطن والمتابع لتطور مجتمعات الخليج وكيفية تبدل المفاهيم السياسية والاجتماعية والفكرية فيها وتأثير كل ذلك على العلاقة بين الدولة والمواطن؟ فمما لا شك فيه أن مجتمعات الخليج تعيش منذ فترة ليست بالبسيطة بصورة يومية في دائرة من الجدل الدائم حول تطور المفاهيم الحياتية وربما أبرزها مفهوم المواطنة الحديثة بامتيازاتها المتعددة. بالإضافة إلى ذلك فقد ظهرت مفاهيم أخرى مثل «المواطنة الصالحة» و»المسؤولية الاجتماعية» وهي مصطلحات جديدة تعني حتميا نشوء علاقة جديدة الطرفين الدولة والمواطن قائمة على مصالح مشتركة واعتبارات جديدة من قبل الطرفين. ففي العقود الماضية طرأ تغير كبير، ليس فقط على الحياة العامة ولكن أيضا على المفاهيم الحياتية ومفاهيم تأسيس الدولة ومفهوم الولاء للأرض والوطن.

فمع تطور مجتمعات الخليج وانتقالها من مراحل التأسيس لمراحل التكوين تطورت أيضا المفاهيم المرتبطة بالدولة الحديثة وأطرها القانونية المختلفة ومؤسساتها العامة ومسؤولياتها تجاه الفرد والمجتمع. وتتشابه دول الخليج ليس فقط في مؤسساتها الاجتماعية بل والسياسية أيضا وبالتالي في الإجراءات والنظم المسيرة للحياة اليومية فيها الأمر الذي ينعكس على المفاهيم العامة التي تسير تلك الحياة وتنظم أمورها. فخلال السنوات الأولى لتأسيس دول الخليج أو ما يعرف بسنوات الطفرة كان المفهوم التقليدي للمواطنة قائم بصورة أساسية على مجموع من الهبات والعطاءات الحكومية المنتظمة.

فالأنظمة السياسية في الخليج كانت مدركة للوضع التاريخي والسياسي للمنطقة بأسرها وكانت تريد أن تؤسس ولاء وانتماء للأنظمة السياسية والقانونية الحديثة ونقل الولاء من سلطة القبيلة إلى سلطة الدولة. لذا قامت بعمل كل ما من شأنه أن ينمي روح الولاء للدولة الحديثة بأطرها القانونية والتشريعية المعروفة والتي نقلت المجتمع من حالته التقليدية إلى حالة الحداثة. كانت الهبات تأتي على شكل امتيازات تمتع بها مواطنو هذه الدول. فكان المواطن يحصل على امتيازات في التعليم والصحة والإسكان وتقلد المناصب الإدارية العليا ذات العلاقة بصنع القرار الحياتي، وغيرها من الامتيازات التي اختص بها المواطن دون سواه. وقد ساهمت الطفرة الاقتصادية في استمرارية هذه الهبات دون انقطاع. لقد نجحت تلك السياسة في نشوء علاقة جديدة بين الدولة والمواطن قائمة على اعتبارات مختلفة كما ساهمت في تعزيز الولاء لسلطة الدولة الحديثة.

ولكن حالة الرفاه المستندة على الوضع الاقتصادي لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية. فقد تغيرت الأوضاع خاصة الاقتصادية والاجتماعية والفكرية كثيرا عما كانت عليه قبل عقود، وأثر ذلك التغير على المفاهيم السائدة ومنها مفهوم المواطنة.

فماديا تقلصت قليلا مزايا المواطنة في ظل الضغوط الاقتصادية وفي ظل ظهور مفاهيم جديدة للمواطنة ليست بالضرورة قائمة على اعتبارات اقتصادية فقط. كما أخضع مفهوم المواطنة قانونيا وتشريعيا لإعادة التفسير حتى يتواءم مع المتغيرات الحديثة في قاموس الحريات المدنية العالمية والدولية.

ولم يعد التفسير الأحادي للمواطنة بقادر على إرضاء جميع الاتجاهات الفكرية حتى في داخل مجتمعات الخليج نفسها. لقد تحولت المواطنة إلى قضية صعبة التفسير حتى بالنسبة للمثقف والناشط المدني الذي قد يعتقد بأن «المواطنة» قضية مرتبطة بالسلطة والدولة وبالإيديولوجية أكثر من ارتباطها بالأرض والوطن. هذا كله غير شكل ومفهوم المواطنة وجعلها قضية خاضعة للجدل الدائم.

وعلى الرغم من خصوصية منطقة الخليج سياسيا واجتماعيا إلا أننا لا نستطيع أن ندرسها بمعزل عن محيطها العربي والعالمي. فكما تأثرت مفاهيم عدة بما يحدث من حولنا فقد تأثر أيضا مفهوم المواطنة. وظهرت آراء عدة حول عناصر المواطنة الحديثة بكل ما تحمله سواء من مكتسبات ومصالح الوطنية ولحمة اجتماعية. وظهرت صيحات جديدة تدعو إلى دراسة مكونات المواطنة الحديثة ووضع تصور جديد لها ليس بالضرورة قائم على الأسس التقليدية القديمة.

ويبدو أن الجميع متفق على أن «للمواطنة» واجبات كما لها حقوق. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة وسط هذا الجدل الدائر، هل الجميع متفق على تقبل كافة الأفكار والرؤى التي تنتج عن هذا الجدل؟ هل الجميع متفق على القبول بالنتائج التي سوف تسفر عن قوس القزح الذي يشكل تعددية مجتمعنا سواء الاثنية أو الثقافية او حتى اللغوية؟ إن هذه الأسئلة جديرة بالتفكير ونحن نرى ونسمع اليوم عن العديد من المؤتمرات التي تعقد لمناقشة المواطنة الصالحة والهوية الجديدة وغيرها من الرؤى العلمية المؤثرة فعلا علينا وعلى مجتمعنا.