لا تربطني بالسيد أبو عبد السلام المواطن الإماراتي البسيط أي علاقة على الإطلاق. ولم أقابله ولم أسمع عنه من قبل ولا من بعد. ولم أقرأ له مقالة صحافية معقدة ولا كتاباً اجتماعياً فلسفياً ولا خطاباً وزارياً رناناً ولا غيره. ولم أعرف إن كان أصلاً عبد السلام يحمل شهادة ثانوية عامة أو حتى ابتدائية، غير أنني أرشحه لأعلى المناصب الوزارية في الدولة.

من هو هذا أبو عبد السلام؟

جذبني أسلوب هذا الرجل الذي ظل يخاطب على الهواء مباشرة الأخ الإعلامي أبو راشد في إذاعة الرابعة الذي ظل صامتاً ولأول مرة لا يقاطع محدثه وكله آذان مصغية لرجل مواطن غيور لم أعرف عنه غير أن اسمه أبو عبد السلام، لفظ هذا الرجل من قلبه كل ما تراكم فيه من نيران وحمم. وربما تراكمت وتراكمت هذه الحمم مع مرور الزمن الذي جرنا معه إلى سبب قهر الكثيرين دون أن يعرفوا كيف يعبرون عنه.

وضع أبو عبد السلام أصبعه على أكثر من جرح في أقل من نصف ساعة. وكان صريحاً جريئاً غاضباً محترقاً لم يتوقف عن ترديد رغبته في الالتقاء بأي مسؤول كان حتى يناقشه في أمور البلد والمواطن.

البلد في رأيه أصبح قبلة للخارجين عن القانون والذين يضربون بعرض الحائط القانون، والبلد الذي فتح قلبه وذراعيه لكل من هب ودب وجاء من كل صوب ومكان، لينقلوا إلينا سمومهم ويرمون بها في برنا وبحرنا وجونا ويلوثون أرضنا الطيبة ويغادرونها غادرين بها بعد ما التهموا الطيب منها وجمعوا غنائمهم وحملوها خلف ظهورهم واختفوا لكي يعودوا إلى من حيث أتوا.

أصبحت أرضنا التي ولدنا عليها وكبرنا معها مكانا خصبا لدفن نفاياتهم السامة من المواد التي تنفثها مصانعهم التي لا تتقيد بأدنى قواعد ونظم وقوانين البيئة التي تشترطها وتلزمها الدولة على كل من يمارس عملا صناعيا أو تجاريا أو اقتصاديا. وأمسى لهم حلول الظلام الوقت المناسب لدفن مخلفاتهم كمن يواري قتيلا بعيدا عن أعين الرقابة. فتتسرب هذه السموم في أعماق تربتنا شيئا فشيئا وقطرة بقطرة حتى تختلط بمياهنا الجوفية التي نشرب منها. والنتيجة؟ أطفالنا يولدون وهم مصابون بأمراض خطيرة تصل إلى الإصابة بشتى أنواع السرطانات ثم إلى الموت. بينما أطفالهم يعيشون آمنين سالمين في بلدانهم التي لا يجرؤ أحد على مخالفة أنظمتها.

بحرنا؟ أسوأ حالا من برنا. هكذا كان يتحدث لسان حال أبو عبد السلام وهو يتقطع ألما وقهرا. تحولت أجزاء منه إلى بركة سوداء قاتمة تموت فيها الأسماك من شدة سميتها. وما عاش منها انتقلت سمومه إلى أجسادنا وأجساد أطفالنا. تحول البحر إلى بركة تلقى فيها النفايات الخارجة عن القانون. السفن التي تعيث فسادا في هذا الخليج الذي عانى الأمرين على مدى العشرين سنة الأخيرة، بين حروب الأخوة الأعداء إلى تسريب النفط إلى مخلفات السفن والأساطيل البحرية إلى ما لا يصح ذكره. يقول أبو عبد السلام إن ابنه اضطر للغوص في إحدى المرات فرأى العجب العجاب من تخريب البيئة البحرية التي عاش على رزقها أجدادنا.

شباك صيد من أسلاك النايلون مرمية هنا وهناك، وأكياسا من البلاستيك التي لا تتحلل، وقارورات مختلفة الأنواع والأشكال، وحدث ولا حرج، وبقايا أسماك نفقت بعد أن انحشرت في تلك المخلفات البشرية، وهذا مجرد غيض من فيض، ولا أحد يعلم إلا الله كم من مساحات شواطئنا قد تحولت إلى ساحة ممتدة من القاذورات والنفايات.

وما ينطبق على البر والبحر ينطبق على الهواء الذي نتنفسه. فكم يا ترى من متر مكعب من مخلفات عادمات المركبات يتطاير في كل دقيقة وثانية، في أجوائنا التي كانت في يوم ما نقية مثل أهالي المنطقة، وأصبحت اليوم ملوثة بنسب عالية ولا نستطيع أن نتخلص منها.

كان أبو عبد السلام يتساءل: (هل يا ترى نحن محتاجون لخدمات كل هذه الكميات من البشر ؟) (نحن قادرون أن نتحمل شظف العيش، لا نريد كل هذه الأيدي العاملة التي لا تخدم إلا نفسها)، وأشار وهو يعتصر ألما إلى أنه يعرف عائلة مواطنة، ثلاثة أفراد منها مصابون بمرض السرطان، الأب والابن والحفيد. ويرى أن أسباب تزايد انتشار العديد من الأمراض القاتلة في بلدنا تعود أولا وأخيرا إلى تلوث البيئة. وأن نسب الكميات المستخدمة في الزراعة تفوق النسب المسموح بها دوليا. وعندما خاطب وزارة البيئة، ادعت الوزارة بأنه ليس من اختصاصها. وعندما سأل البلديات ردت عليه بأنه من اختصاص وزارة البيئة، وهكذا ضاعت القضية دون اتخاذ القرار الحاسم.

تحدث أبو عبد السلام وتحدث وسمعه من سمعه، وشهد على قوله من شهد، ثم انتهت المسألة عند حدود الحديث المسموح به على الهواء، ويظل في الهواء.

القضية يا أخوة أكبر من أن يسكت عنها، صحيح أننا في حاجة إلى شوارع، وإلى مصانع، وإلى معدات وإلى أيد عاملة، وإلى عمارات وناطحات سحاب، ولكن يجب أن تخدم حاجات المواطن قبل أي شيء آخر. هذا ما يعمل به في سائر بلدان العالم. أين المسؤولون عن حياة المواطن وصحة المواطن وبيئة المواطن؟ هل انتهى بهم الأمر إلى حدود إصدار القوانين دون تطبيق العقوبة؟

يوم الجمعة الماضي كنت أقرأ خبرا في إحدى الصحف المحلية مفاده أن مفتشي بلدية إحدى إمارات الدولة اكتشفوا وجود مخلفات فئران في الطعام الذي يبيعه المطعم للزبائن. وعرضت الصحيفة صورة للخبر واضحة وضوح الشمس. هل تتوقعون ما هو العقاب الذي تلقاه صاحب المطعم؟ الإغلاق لمدة أسبوع وغرامة مالية تافهة وتحذير خجول بعدم تكرار ذلك. توقعت أن يتم إغلاق هذا المطعم نهائيا وسجن صاحبه وتقديمه للقضاء وتغريمه وطرده من البلد حتى يكون عبرة لغيره. لأنه ليس فقط مجرد إهمال للنظافة، بل استهانة بالوطن والمسؤولين عليه.

شكرا يا أبو عبد السلام المواطن الغيور على وطنه، وليت الوزير الفلاني والمدير الفلاني عينك مستشار لديه بربع راتب الخبير الفلاني الذي يحمل الجنسية الفلانية،(الله يعين)، كما يردد دائما (الله باسمه) الزميل بو راشد.