عقد معهد البوسفور مؤتمره السنوي الثالث في إسطنبول قبل فترة وجيزة، وكان هذا المعهد قد أُنشئ عام 2009 كمركز للأبحاث مكرّس للنقاش بين تركيا وفرنسا. ووضع المعهد هدفا له تصحيح مسار العلاقات السيئة، للأسف، بين البلدين، وبحيث يكون أداة للحوار المستمر. إنه يضم شخصيات رفيعة المستوى من آفاق مختلفة، سياسية واقتصادية وخبراء ومثقفين أتراكاً وفرنسيين. ومن نقاشات المؤتمر الأخير تمكن صياغة عدّة ملاحظات.
الملاحظة الأولى تخص التحولات في العلاقة بين تركيا والاتحاد الأوروبي. ونتذكّر أنه خلال فترة طويلة، بذلت تركيا جهودا كبيرة من أجل فتح الأفق أمام انضمامها للاتحاد الأوروبي الذي بدأ النقاش حوله عام 2005. وتأكّدت تلك الجهود خلال السنوات التالية، كما زادت تركيا الإصلاحات السياسية والاقتصادية التي تسمح باندماجها في الاتحاد، عبر التأقلم مع المعايير الأوروبية. لكن العلاقات تدهورت كثيرا لاحقا.
إن بعض البلدان الأوروبية، خاصة فرنسا وألمانيا، لم تخفِ عداءها لأفق انضمام تركيا الكامل للاتحاد، ووضعت العراقيل والصعوبات أمام ذلك. والنتيجة هي أنه منذ أكثر من عام، لم يتم فتح أي فصل جديد في المفاوضات. والاتحاد الأوروبي الذي يعاني من الأزمة المالية والاقتصادية، بدا أنه يتقوقع حول نفسه، بينما عليه أن يفعل عكس ذلك. ولا يمكن للاتحاد الأوروبي أن يظل كما كان قبل الأزمة، ولذلك عليه أن يفكّر بسرعة في المكانة المستقبلية لتركيا داخله. بكلمة واحدة؛ عليه أن يصغي لتركيا.
وهذا ما أكّده بصراحة نائب رئيس الوزراء التركي أمام مؤتمر معهد البوسفور، عندما قال إنه إذا توقف الاتحاد الأوروبي عن استكمال مسيرة دمج تركيا في إطاره، فسينتهي النفوذ الأوروبي على المسرح الدولي. وأشار بشيء من السخرية، إلى أن تركيا تستجيب لمعايير الاستقرار التي حددها الاتحاد الأوروبي، بينما لا يتوصل بعض دوله الأعضاء إلى الاستجابة لها. وبعد التذكير بالتجربة التركية خلال الأزمة الاقتصادية لفترة 2001 ـ 2002، أشار إلى أن تركيا تستطيع تقديم النصائح للاتحاد الأوروبي.
بعض المشاركين الفرنسيين في المؤتمر، اعتبروا أن حديث المسؤول التركي كان "متعاليا" حيال الاتحاد الأوروبي. لكنهم مخطؤون في ذلك، فالحقيقة هي أن تركيا تغيّرت كثيرا، ولم تعد التلميذ الذي يمكن تلقينه الدروس. بل على العكس، غدت قوّة فاعلة في اللعبة الدولية، وهي تدرك أكثر فأكثر إمكانياتها والمكانة التي يمكن أن تكون لها في المستقبل.
الملاحظة الثانية تخصّ الاتحاد الأوروبي نفسه. إننا نعرف عدم قدرته على أن يتصرّف كقوة حقيقية في العلاقات الدولية، وقد شهدنا ذلك قبل فترة وجيزة حيال الإعلان عن دولة فلسطينية، حيث لم يستطع الأوروبيون الوصول إلى موقف موحّد حيال هذا الموضوع السياسي المركزي. فهل نعتبر أن المستوى الأوروبي يسمح، او لا يسمح، بأن يكون له وزن في ما يتعلّق بتطور العالم؟ وهل نريد، أم لا نريد، أن تكون لأفكارنا ومواقفنا واقتراحاتنا قيمة؟ إذا كانت الإجابة بنعم، فإنه من الواضح أن تركيا تشكل ميزة وليس عائقا، وتكفي ملاحظة الوقائع للاقتناع بذلك.
على الصعيد الاقتصادي، تبيّن أهمية ومتانة العلاقات الاقتصادية بين تركيا والاتحاد الأوروبي، أن دينامية الاقتصاد التركي ستكون مفيدة للاتحاد الأوروبي في مجمله، إذا كانت تركيا عضوا فيه. وينبغي في الوقت نفسه، معرفة أن اندماج تركيا في الاتحاد سيكون عاملا في زيادة قوّة الطرفين. والمقصود هو الاندماج الكامل، وليس شراكة متميزة لا يُعرف مداها.
والأمر نفسه بالنسبة للتحديات الجيوسياسية، وهذا يقودنا إلى الملاحظة الثالثة. إن جزءاً من نقاشات مؤتمر البوسفور، تركّز على الاضطرابات السياسية التي يعرفها العالم العربي منذ عدة شهور، والطريقة التي أجابت فيها تركيا عنها. إن تركيا مثل غيرها من الأمم، لم تتنبأ بالانتفاضات العربية. ومن الملاحظ أنه كان عليها أن تعيد النظر في سياستها الإقليمية، وأن تقوم ببعض التعديلات الضرورية. وفي الواقع، فإن نجاح سياستها الإقليمية منذ عدّة سنوات، ربما دفعها إلى المبالغة في تقييم دورها واعتبار نفسها القوّة القادرة على تسوية الأزمات الإقليمية.
إن قوّة الصدمة التي تجتاز العالم العربي، أجبرت تركيا على إعادة النظر في وزنها الحقيقي في المنطقة. وعلينا أن نقول بوضوح إن وزنها كبير. لكن مفهوم "صفر من المشاكل مع جيراننا"، الذي أطلقه وزير الخارجية التركي ينبغي رؤية بعض الخلل فيه. يمكن أن يكون منظورا مستقبليا، وليس حقيقة قائمة، والحالة السورية دليل ساطع على ذلك. فليس هناك من استطاع أن يقنع الرئيس بشار الأسد بتغيير سياسته، لا انقرة ولا غيرها، رغم العلاقات الوثيقة التي أقامتها مع دمشق منذ عدّة سنوات. وسبب هذا خيبة أمل كبيرة بالنسبة للمسؤولين الأتراك، الأمر الذي يؤكّد أن إقامة سياسة خارجية جديرة بهذه التسمية، تتطلّب دائما رؤية على المدى المتوسط والطويل.
بهذا المعنى لا ينبغي لتركيا أن تؤخذ بنجاحاتها، وإنما أن تقوم بتقييم صحيح للتحديات الهائلة التي تواجهها، ليس حيال سوريا فحسب، وإنما حيال قبرص أو أرمينيا أو إيران أو العراق أيضا.
حول هذه المسائل، على الاتحاد الأوروبي أن يصوغ سياسة أكثر إيجابية، وعلى المدى الطويل، بالنسبة لتركيا.
رئيس تحرير المجلة الدولية والاستراتيجية ـ باريس