جاء إصدار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، مرسوما بإنشاء "جائزة محمد بن راشد آل مكتوم للسلام العالمي"، التي تهدف إلى تكريم الفئات والجهات ذات الإسهامات المتميزة في قضايا حفظ السلام العالمي؛ بوصفه وسيلة للتفاعل الحضاري بين الشعوب وإنماء السلام والاستقرار وتنميته في العالم، وتشجيع روح المبادرة والتميز في حفظ السلام العالمي، إلى جانب تشجيع الحوار بين الأديان، وإبراز حقيقة الإسلام بوصفه دين تسامح وسلام، متناغما ومتماهيا مع سياسة تتبعها دولة الإمارات العربية المتحدة، وثوابت انطلقت منها وتشكل على أساسها منطقها في التعامل مع المحيط العالمي، وفي سياستها الخارجية المتبعة مع الأصدقاء، ومع من اختلفوا معها ونازعوها كذلك.
هذه السياسة التي غرس بذرتها المؤسسون الأوائل، الذين كان في مقدمة ركبهم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيب الله ثراه - وإخوانه حكام الإمارات، الذين ضربوا المثل والقدوة في زرع الأمل بين أبناء بلدهم في زمن شديد الصعوبة، والتبشير بالخير وتمكينه في البلدان العربية والإسلامية. فلا تكاد تخلو دولة شقيقة أو صديقة من جميل صنيع لهم، وشاهد على صدق توجههم، ولا أقول هذا من باب المَنّ؛ إذ تنطلق الإمارات في ذلك من باب الأخوة في الدين والإنسانية، ولكنني أذكر به من باب "الأثر يدل على المسير".
ولأن العِرق دسّاس، فقد ورث هذا السلوك الشريف خير خلف لخير سلف، فأضحى نشر الخير وإشاعة السلام بين الناس خلقا وسلوكا، قبل أن يكون سياسة. لمَ لا؟ وقد شهد بذلك القاصي والداني، بما جعل دولة الإمارات العربية الأكثر جذبا بين بقاع الأرض لبني البشر، على اختلاف أعراقهم ومللهم ومذاهبهم، ولم يكن هذا لولا حالة السلام الداخلي التي يعيشها أبناء الإمارات، والتي جعلت بينهم أكثر من مئتين وخمسين جنسية، وكأن الكرة الأرضية اختزلت بنموذج التعايش السلمي على أرض الدولة، دون أن ينتقص حق أحد منهم بسبب جنسه أو لونه أو دينه أو مذهبه.
إن حالة السلام مع النفس التي يعيشها أبناء الإمارات العربية المتحدة، والتي جعلتها تحتل وفقا لتقارير المؤسسات الدولية - وهي متعددة - مرتبة متقدمة على مستوى العالم في مؤشر السلام العالمي عام 2010، بوضعها في المرتبة 44 عالمياً والمرتبة الخامسة بين 18 دولة في المنطقة، فضلا عن أن شعبها هو الأكثر رضى عنها بين شعوب المنطقة. وقد انعكس ذلك على السلام مع الآخر وقبوله، وفقا لخلطة سحرية يصعب أن تجدها في كثير من مناطق العالم.
وفي يقيني أن هذا عامل من أهم عوامل نجاح الأمم، وهو قدرتها على الاستيعاب والصهر، وشهادة على عمق ثقافتها وثقتها بقدراتها، وإضافة إلى قوتها الناعمة، وإن ظهر بعض العوارض الجانبية فإن ذلك لا يمكن أن يبدد تلك الحقيقة. ودروس التاريخ وعبره في بناء الأمم، خير شاهد ودليل. كما أن المكانة التي باتت تحظى بها دولتنا في المحافل الدولية على المستوى الرسمي، بل مكانتها في قلوب أبناء الشعوب من شتى بقاع الأرض وأصقاعها، ليست محل جدال.. ألم يبك رحيل زايد الخير العرب وغير العرب؟ وشاهدنا على شاشات التلفاز حزن غنيهم وفقيرهم وكبيرهم وصغيرهم..
إن الإمارات أرض السلام، كانت دوما آمنة بسياستها وفكر قادتها وحكمتهم وثقافة شعبها، وبدعم من تاريخ وتراث أصيل جعل منها واحة الأمن، في أوقات عصيبة نالت فيها أيدي العابثين مناطق مختلفة من العالم، ولم تسلم منها حتى أشدها قوة عسكرية وأكثرها عتاداً، إلا أن ذلك لم يمنع يد الغدر أن تصل إليهم. وظلت الإمارات في أصعب الأوقات وأشد المحن، ساحة الأمن وقبلة مريديه، فكان لا بد مع تلك الرؤية وهذا المسلك أن يعكس وضع الإمارات على محيطها العالمي.
لذا فعلى الرغم من أن إصدار الجائزة يعزز من السلام العالمي الذي بتنا في أشد الحاجة إليه، فإنه يأتي في السياق الطبيعي لمسلك القادة الذين يدركون أن العالم بات قرية صغيرة، وأن ما يحدث في أدنى الأرض يؤثر على أقصاها، في عصر تكسرت فيه الجدران، وأن الأخوة في الإنسانية هي الرابط الذي يجمع بين أبنائها، على مختلف نحلهم ومللهم "فكلكم لآدم وآدم من تراب".
إن قيادة تجعل من السلام مرتكزا أساسيا من مرتكزات تعاملها مع محيطها، وتسعى لدعمه وتعزيزه على المستوى العالمي، هي قيادة تتصرف بمسؤولية تاريخية كبرى، وهي مؤتمنة على مقدرات شعوبها، فضلا عن كونها قادرة على استيعاب دروس التاريخ واستقراء الواقع، وتحديد ملامح المستقبل الذي لن يكون أبدا في صالح أمم جنت عليها قيادات، وأهدرت طاقتها بمغامرات قضت على الأخضر واليابس في الداخل والخارج، على الرغم مما حباها الله ـ عز وجل - إياه من ثروات تحت الأرض وفوقها، والشواهد من حولنا وفي منطقتنا فوق الحصر.
إن إصدار قيادتنا الرشيدة "جائزة محمد بن راشد آل مكتوم للسلام العالمي"، يعد صفحة جديدة من صفحات تاريخنا وإشراقه، نطل بها على العالم لنملأه خيراً وبركة وقوة دفع لنماء البشرية وعزها، ولتشيع بين الأجيال حاضرا وفي المستقبل ثقافة البناء لا الهدم، والحوار لا الصدام، ثقافة قوة المنطق لا منطق القوة، ثقافة التسامح لا التعصب، والوحدة لا الانقسام والتشرذم، وإرادة مواجهة الصعاب وتحقيق المعجزات، بقوة السلام لا بدانات المدافع والبارود.
إن دروس التاريخ خير معلم، وهو الذي أوضح لنا أن الصراع لم يَجُرّ على الشعوب غير الوبال والضيم، وهو ما جعل فرقاء الأمس في أوروبا أصدقاء اليوم، ولكن بعد أن دفعوا ثمنا غاليا من مقدرات بلادهم وأرواح أبنائها.
إنني على يقين بأن آثار إطلاق هذه الجائزة سنراها قريبا على أرض الواقع، كما أنها ستكون مؤشرا حقيقياً على دلائل صنع الخير للناس، ومطمحا لكل من ساهم في مسيرة البناء للبشرية. وبكل تواضع ستكون مثل جائزة نوبل للسلام، بنسختها العربية العادلة والمنصفة، التي تحتمي بحضارة لا تزال آثارها باقية في أرجاء المعمورة، وبعلماء لا تزال أفكارهم التي فتحت الطريق لمن جاء بعدهم، تدرس في أكبر الجامعات والمعاهد العالمية، في الوقت الذي أعدمت أمم غيرنا من يقول بكروية الأرض؛ وبقيادة ملأت الدنيا عدلا، في الوقت الذي كانت فيه محاكم التفتيش تحاسب الناس على ما في عقولهم.
أليست جائزة للسلام خرجت من أرض السلام؟ أما عن دورها في إظهار صورة الإسلام بوصفه دين تسامح وسلام، فذاك حديث آخر.