يتحدثون في الجزائر عن عمليات تجسس نفذتها أجهزة أمنية واستخبارية أميركية وفرنسية وبريطانية، تحت غطاء قيام جمعيات غير حكومية ببحوث ذات طابع اجتماعي وفكري. ويبدو أن هذه الآلية قد حققت نتائج إيجابية مرضية، إلى الدرجة التي أغرت المخابرات الفرنسية بالتوسع فيها، وذلك بتوظيف (تجنيد!) عشرات الباحثين في تخصصات لا تلفت الانتباه الأمني، كعلوم الشريعة والفقه الإسلامي.
فكرة هذه الآلية تجمع بين البساطة والخبث، فالباحث في الشؤون الاجتماعية والدينية والتراثية واللغوية ونحوها، يستطيع التغلغل في تضاعيف المجتمع والاحتكاك بكل الأوساط، وخاصة بملح الأرض من العامة. وهو كواحد من بني جلدتهم، يظل أدرى بشؤونهم وشجونهم، وأساليب حيواتهم وشواغلهم ومدارات تفكيرهم. وبالتداعي فإن معلوماته وتحليلاته تحظى بصدقية عالية، وتبقى عصية على التشكيك.
وبمثل ما هو قابل للتلقي والاستقبال والفهم والاستيعاب، فإنه قادر وزيادة على البث والإرسال والإقناع. وعليه، فإن في وسع الجهة المرجعية التي يعمل، أو بالأحرى يتعامل، لصالحها عن قصد أو بلا قصد، استخدامه وتوجيهه نحو الخطاب الثقافي الاجتماعي الفكري والسياسي الذي تريد.
واضح أنها آلية كلاسيكية جدا تذكرنا بأيام البصاصين، التي تسبق بكثير زمن التجسس عبر الستالايت والتنصت عن بعد والفيس بوك وفك شفرات الإيميلات. وهي أيضا قليلة الكلفة، لكنها مضمونة العائد. فمن تقاطع معلومات "العملاء" وأبحاثهم وملاحظاتهم اللصيقة بالواقع المعاش، وتصفيف ذلك كله بعضه إلى جوار بعض، يمكن للجهات الاستخبارية تكوين خرائط وبرامج للتعامل مع مختلف الشرائح والطبقات.
قبل أربعة قرون، حيث بدايات انتشار الغرب في عوالم الآخرين، راح رجال لاهوت ومتخصصون في علوم الأحياء واللغات والتاريخ والآداب والإنسانيات، الذين عرفوا لاحقا بالمستشرقين، يجوسون في تضاعيف المجتمعات الشرقية، ويجمعون عن أحوالها كل ما تيسر لهم. وهي ثروة معرفية استغلتها بلاطات الغرب وحكوماته وعسكره ومغامروه، في حروبهم الاستعمارية ورسم سياساتهم للسيطرة والتحكم.
حين نستحضر هذه السيرة، يلح علينا نموذج الحملة الفرنسية على مصر (1798)، التي اصطحبت معها مطبعة للعربية وأكثر من ثلاثين عالما في مختلف التخصصات، تغلغلوا في الديار المصرية وانتهوا إلى إنجاز كتاب "وصف مصر"، الذي نشك في أن المصريين ذواتهم كانوا على دراية شاملة بأحولهم وبأنفسهم، على النحو الذي تضمنه عنهم هذا الكتاب الموسوعي.
ولا تصح في هذا المقام المحاجة بأن التقنيات الحديثة قد ألغت دور التجسس التقليدى، بعد أن أتاحت وسائل متطورة غير يدوية للتلصص بين الدول، وأحيانا بين الأفراد والجماعات والمؤسسات. فهذه الوسائل في وسعها أن ترصد بدقة ورهافة من البر والبحر والفضاء، المعالم الخارجية للجهة المستهدفة، بيد أن فاعليتها تضعف وربما تتلاشى إذا ما تعلق الهدف بدواخل المجتمعات، من حيث العادات والتقاليد والقناعات وأساليب التفكير، والأفعال وردود الأفعال، المكنونة في الصدور والمتفاعلة في الوجدانات والعقول.
ففي هذه الجوانب والأبعاد، ليس كمثل العين والعقل الإنسانيين المدربين الفاحصين، والمحاورات والسجالات عن كثب وعلى مدار فترة ممتدة، مما يتمكن من المعرفة وبلوغ الغاية. إن عين الآلة ووظائفها لا تغني هنا عن عين الإنسان ومطالعاته المباشرة، ولاسيما إن كان من أهل الدار!
لقد اتضح لجهات التحقيق الجزائرية، أن الخبراء المحليين المتصلين بالمؤسسات البحثية والمنظمات غير الحكومية، الخارجية الهوية والتمويل، حصلوا على معلومات مهمة وخطيرة خلال عملهم في الجامعات والإدارات الوطنية. وأن العناوين البريئة التي تنخرط تحتها أوتتوشح بها هذه المنظومة الاستخبارية، هي القضاء على التطرف والتصدي للإرهاب.
والحق أن هناك عوامل بعينها، نحسبها ساعدت على تعبيد السبل والمداخل أمام هذه الآلية التجسسية القديمة الجديدة. فتسخير عناصر محلية في طول العالم العربي وعرضه، لا يستدعي من القوى الخارجية المعنية سوى الاقتراب من بعض الباحثين المحليين، الذين جمعوا بين فضيلة العلم والمهارة البحثية ورذيلة البطالة أو العمل بأجور متدنية، والسخط على أوضاعهم الاجتماعية التي لا تسمح لهم بالترقي وفرص الحياة الطيبة.
إن سقوط بعض هذه العناصر المضغوطين بثالوث العلم والفقر والغضب، في قبضة الأجهزة الاستخبارية المحنكة، أمر جائز. وهام جدا أن نفترض، ولعل علينا أن نوقن، عدم توفر سوء النية والقصد لدى كثير من هؤلاء، كونهم ينشطون في مجالات تبدو المعلومات بشأنها والتحليلات، بعيدة عن شبهة إلحاق الأذى ببلادهم ومجتمعاتهم. لكن الخراب والأذى بالبلاد والعباد، بأثر عاجل أو آجل، يتأتى من هذه الغفلة بالذات.
من غياب الحيطة والحذر من أن العلوم الاجتماعية والإنسانية، ليست منزهة في كل الأوقات عن الأهواء. فكما أنها توظف للمنفعتين الخاصة والعامة، فإنها قد تستخدم للإضرار بالشعوب والمجتمعات، عبر غسيل الأدمغة ونبش مواطن الضعف وبث الفتن والأحقاد.