يبدو أن علينا الانتظار طويلاً قبل أن تحل مشكلة التوطين، ليس في الإمارات فقط، وإنما في دول مجلس التعاون الخليجي، الذي عقد وزراء العمل فيه الأسبوع الماضي دورة مجلسهم الثامنة والعشرين في أبوظبي، وكان الموضوع الرئيسي على جدول أعمالها مناقشة سياسات دعم التوطين في القطاع الخاص.

في تصريحات على هامش الاجتماع، قال معالي صقر غباش وزير العمل في دولة الإمارات، إن مستويات توطين الوظائف في القطاع الخاص ليست بالمستوى المنشود، معربا عن أمله في اهتمام القطاع الخاص بهذا الجانب، والقيام بمسؤوليته الاجتماعية لتحقيق نجاحات أكبر في توطين الوظائف في هذا القطاع خلال المرحلة المقبلة، مشيرا إلى أن الأصل في الوظائف هو توفيرها للمواطنين، والاستثناء إتاحتها للوافدين في حال عدم توافر شاغليها من أبناء الوطن.

مستويات توطين الوظائف في القطاع الخاص ليست في المستوى المنشود. رأي نتفق فيه مع معالي الوزير تماما، وهو يعكس واقعا مرا نسعى إلى تغييره منذ سنوات ليست بالقليلة. فرغم كل الجهود التي بذلتها حكومتنا لرفع هذه المستويات، فإن الواقع يقول إن هذه الجهود باءت بالفشل، ولم تنجح في تحقيق النتيجة التي تجعل مستويات توطين الوظائف في هذا القطاع مرضية ومعقولة.

تصريحات معالي الوزير التي أعرب فيها عن أمله في اهتمام القطاع الخاص بهذا الجانب، تحمل في طياتها واحدا من أهم أسباب إخفاق وتعثر التوطين في هذا القطاع وانخفاض مستوياته فيه، وهو أن عملية التوطين قائمة على رغبة أصحاب الشركات والمؤسسات الخاصة في التوطين ومدى اهتمامهم به، وليس على قوانين ملزمة لهذا القطاع.

وعندما تكون الرغبة الخاصة والاهتمام الشخصي هما صاحبي القرار، فإن أي أمل في رفع هذه المستويات يصبح حلما بعيد المنال، لأن تجربتنا مع المتحكمين في هذا القطاع على مدى السنوات الماضية، تؤكد أنهم أبعد ما يكونون عن الاهتمام بالتوطين، فما يحكم القطاع الخاص هو معيار الربح والخسارة، ومعيار الربح والخسارة يبحث عن العمالة الأرخص، والعمالة الأرخص لن تكون بالتأكيد هي العمالة المواطنة، ليس في الإمارات فقط، وإنما في كل دول مجلس التعاون الخليجي، التي ناقش وزراؤها الأسبوع الماضي سياسات دعم التوطين في القطاع الخاص خلال اجتماعهم.

القضية في رأينا تحتاج إلى قرار ملزم من قبل السلطات المختصة، وفرض نسب محددة على شركات ومؤسسات القطاع الخاص، كما حدث مع البنوك على سبيل المثال. فرغم كل الإغراءات التي قدمتها وزارة العمل لهذا القطاع للدفع بعملية التوطين إلى مراكز متقدمة، فإن هذه الإغراءات لم تحقق الغرض منها، فعملية التوطين ما زالت تراوح مكانها، إن لم تكن تتأخر، الأمر الذي يثبت أن الاعتماد على الآمال والأمنيات لن يحقق المستويات التي ننشدها، وأن قانونا يفرض على هذا القطاع نسبا تصاعدية من توطين الوظائف، هو الحل الوحيد لهذه المسألة.

ولكن هل التوطين مسؤولية القطاع الخاص أم هو مسؤولية الجهات الحكومية؟ نعتقد أن التوطين مسؤولية الحكومة قبل أن يكون مسؤولية القطاع الخاص، فهذا القطاع له حساباته التي تتقاطع مع قضية التوطين، لأسباب كثيرة نعرفها ويعرفها أصحاب المعالي وزراء العمل. وقبل أن نطالب القطاع الخاص بتوطين الوظائف، علينا أن نطلب من القطاع الحكومي، اتحاديا ومحليا، توطين وظائفه.

 فنسب التوطين التي حققها القطاع الحكومي حتى الآن، ليست هي النسب التي تجعلنا نتجه إلى القطاع الخاص وكأننا انتهينا من توطين القطاع الحكومي، رغم أن هذا لا يمنع أن يحدث ذلك بالتوازي وفي الوقت نفسه.

قد يقول قائل إن هناك قطاعات حكومية حققت نسبا جيدة وربما عالية من التوطين، لكن هذه النسب لم تتحقق نتيجة سياسات موضوعة، ووفقا لخطة منهجية مدروسة ذات مراحل زمنية محددة، وإنما تحققت نتيجة توجه واقتناع بعض المسؤولين في بعض الوزارت والدوائر المحلية، بأهمية التوطين وضرورته، الأمر الذي يجعلنا ندعو إلى وضع سياسة واضحة وخطة ذات أبعاد زمنية محددة، تصل بالتوطين إلى المستويات التي تتناسب مع العقود الأربعة التي مضت من عمر دولتنا، التي تحتفل هذه الأيام بمرور أربعين عاما على قيامها.

"الأصل في الوظائف هو توفيرها للمواطنين، والاستثناء إتاحتها للوافدين في حال عدم توافر شاغليها من أبناء الوطن". كلمة حق أراد بها معالي وزير العمل حقا، ورأيٌ نتفق فيه تماما مع معاليه، لكننا نعتقد أن تطبيقه يجب أن يبدأ من القطاع الحكومي، الذي لم يستوعب حتى الآن جميع المواطنين من ذوي التخصصات المختلفة، فهناك وظائف كثيرة يستطيع أن يشغلها المواطنون، ما زال حتى الآن يحتلها غيرهم، حتى في بعض المجالات المتخصصة التي يعتقد البعض أن المواطن غير قادر على شغلها.

فبعد أربعين عاما من بناء الإنسان في الإمارات، وحرص المؤسسين الأوائل وأبنائهم على إعداده وتعليمه وتزويده بالقدرات التي تؤهله لاستلام راية العمل والبناء في دولته، لا نعتقد أن هذا المواطن عاجز عن استلام هذه الراية وإثبات وجوده وقدرته ومهارته في كل مجال، شريطة أن تتاح له الفرصة كاملة، مثلما أتيحت لبعض الذين يدّعون الخبرة ويوهموننا بأنهم يصنعون المعجزات، في الوقت الذي ثبت فيه بالتجربة أن خبرتهم هذه مزعومة، وأن ما تعلموه منا وبيننا أكثر من الخبرات التي جاؤوا بها من بلدانهم.

التوطين، في رأينا، ليس مسؤولية القطاع الخاص، وإنما هو مسؤوليتنا جميعا، وعلينا أن نبدأ بأنفسنا قبل أن نطلب ذلك من الآخرين، وبعدها يصبح لكل حادث حديث.