في الماضي كانت المجالس وخاصة مجالس الحكام والأعيان منابر مفتوحة يستطيع من خلالها كل مواطن التعبير عن رأيه ولقاء الحاكم والمسؤول ومناقشة قضايا المجتمع. وكانت تلك القضايا والهموم تناقش بكل حرية وصراحة وتصل إلى سمع المسؤول الذي يبادر إلى إيجاد الحلول للقضايا التي تطرح. ومع تطور مجتمع الإمارات والتحولات التي يشهدها تطورت أيضاً منابر الرأي وطرق وأساليب التواصل تماماً كما تطورت القضايا الاجتماعية التي يعاني منها الناس. فلم تعد المجالس قادرة على الوفاء بكل التزاماتها السابقة. فقد ظهرت وسائل تواصل عصرية نافستها في تبني قضايا المجتمع ونشرها وإيصالها إلى صناع القرار.

في الوقت نفسه تطورت الإدارة المدنية وتغيرت المؤسسات الخدمية فقد أصبح لكل مؤسسة وظيفة ولكل دائرة تخصص. فهناك مؤسسات تعنى بالتعليم وأخرى بالصحة وثالثة للشؤون الاجتماعية. وأصبحت غاية تلك المؤسسات ووظيفتها الأساسية هي تلبية احتياجات المواطنين ورعايتهم والاهتمام بشؤونهم الحياتية والسهر على راحتهم. ولكن ماذا لو قصرت تلك المؤسسات في وظائفها؟ كيف يمكن للمواطن البسيط إيصال صوته إلى صناع القرار والمسؤولين ؟

وسيلة عصرية في إيصال قضايا المجتمع إلى صناع القرار اليوم هي وسائل الإعلام بأنواعها ووسائل التواصل الاجتماعي الحديث. فقد بدأت هذه الوسائل تلعب مؤخراً دوراً مهماً كحلقة وصل بين السائل والمسؤول كما بدأت تلعب دوراً مسانداً في تبنى قضايا وهموم المواطنين وطرحها على بساط البحث. ففي السنوات الماضية مثلًا تطور دور الصحف والراديو والتلفاز وتبنى معظمها حيزاً من الوقت والمساحة لمناقشة هموم المواطنين والقضايا التي تهم الرأي العام. فحازت قنوات البث المباشر مثلًا المسموعة والمرئية على حيز مهم من الاهتمام الجماهيري كونها تتبنى قضايا مجتمعية ملحة كما حازت على شهرة واسعة بوصفها وسيلة سهلة وسريعة لنقل صوت الشارع الإماراتي إلى صناع القرار.

وسيلة أخرى حديثة حازت على شهرة كبيرة نظراً لسهولة استخدامها وتوفرها خاصة بالنسبة لفئة الشباب وهي وسائل التواصل الاجتماعي الحديث. فهذه الوسائل بدأت في منافسة وسائل الإعلام التقليدية في تبني ونشر وإيصال هموم الشارع الإماراتي إلى صناع القرار. وهكذا أصبح الكثير من المهتمين بمجتمع الإمارات وقضاياه الداخلية يرون في تلك الوسائط والقضايا التي تتبناها انعكاساً مهماً لما يدور في المجتمع.

وأصبح الكثير من الباحثين يحرصون على متابعة البث المباشر وما تنشره وسائل التواصل الاجتماعي لمعرفة ما يدور في المجتمع. فهي في رأيهم تعرض هموم شريحة مهمة من شرائح المجتمع لا تستطيع الوصول للمسؤول مباشرة. كما أنها تعد مؤشراً صادقاً على نبض الشارع الإماراتي.

بالإضافة إلى ذلك فهي تعكس وبطريقة واضحة طريقة تعاطي صناع القرار والهيئات الحكومية والخاصة مع قضايا الشارع. فالجميع أصبح على دراية بأن لتلك الوسائل قوة مؤثرة ليس بوصفها منبراً مؤثراً لطرح القضايا ولكن لدورها في إيصال صوتهم أو رسالتهم إلى صناع القرار والمسؤولين. بل انها في الكثير من الأحيان تجد الحلول الناجعة للكثير من القضايا المزمنة لأنها تلعب دور الوسيط بين السائل والمسؤول. لذا وثق الكثيرون بهذه الوسائل لأنها في رأيهم أنجع طريقة لطرح آرائهم وإيجاد الحلول لبعض القضايا المتعسرة. فلا غرو أن تحوز تلك الوسائط على قوة وشهرة كبيرتين باعتبارها صوتاً يعكس هموم الشارع الإماراتي.

طريقة عرض تلك القضايا وتداولها من خلال تلك الوسائط تعد تحولًا جديداً في الاتجاهات الفكرية الجديدة في المجتمع. فهي تحديث لطريقة التواصل التقليدي بين الشارع الإماراتي وصناع القرار، فالدور الذي كان المجلس يلعبه في الماضي بوصفه وسيلة للتواصل أصبحت الأن تلعبه تلك الوسائط.

كما يعد انتشار تلك الوسائط انعكاساً لطريقة سير الحياة فإن طريقة تعاطي السلطات الحكومية والمسؤولين مع القضايا المطروحة من خلال تلك الوسائط تعد هي الأخرى تحولًا جديداً في العلاقة بين الحاكم والمحكوم. إنها طريقة رائعة وعصرية ومبسطة تعبر عن روح العصر وتحدثٍ ذلك الأسلوب العفوي التقليدي في التواصل بين الحاكم والمحكوم، وبين السائل والمسؤول.

فقد نجحت مثلًا قنوات البث المباشر في حل الكثير من القضايا الصعبة وفي إيجاد بعض الحلول لبعض المشاكل المزمنة وفي عرض بعض القضايا المجتمعية بأسلوب بسيط خال من التعقيد والروتين. فقد استفاد منها المواطن البسيط استفادة كبيرة.

فهناك من يعرض قضيته الشخصية من مسكن ورعاية صحية أو إعانة مالية، وهناك من يتبنى قضية رأي عام. فمن معاناة المناطق النائية إلى قضايا الغلاء وقضايا التعليم ومستوى الرعاية الصحية إلى قضايا البيئة والهوية الوطنية جاءت مشاركات المواطنين عبر تلك القنوات والوسائط كرديف للحراك المجتمعي الخالي من التعقيدات والقريب من فهم المواطن البسيط. فلا غرو أن تصبح وسيلة توعوية وتثقيفية مهمة في المجتمع.

شعبية تلك الوسائط إضافة نقطة مهمة للدور الذي تلعبه. فالنجاح الذي حققته جعلها، وبعفوية، تلعب دوراً رقابياً مهماً في المجتمع. فما يحاول، مثلا، مسؤول إخفاءه في مؤسسته من فساد أو هدر أو تقصير يظهره على الفور اتصال واحد مع إحدى قنوات البث المباشر.

وما يعد قضية مجتمعية تهم الرأي العام تظهر في صورة تعليق صغير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وما يعد أمنية صعبة المنال تظهر في صورة خبر قد لا يكون صحيحاً تتناقله تلك الوسائط. إنه تغير عصري لمجتمع انتقل من مرحلة تواصل تقليدية إلى مرحلة أخرى معتمداً على آخر تقنيات العصر الذي نعيش فيه. إن تطور مجتمع الإمارات وانتقاله من مرحلة إلى أخرى يعكسه ليس فقط تطور المؤسسات المدنية وسائل الاتصال المختلفة ولكن أيضاً تطور أساليب التواصل المجتمعي بين السائل والمسؤول. إنها بحق مرحلة جديدة تستحق الدراسة العلمية الجادة لأنها تدل على الدور والنفوذ الذي بدأت تكتسبه تلك الوسائط في المجتمع.