في الحقيقة هي أقرب إلى قصص الخيال منها إلى قصص الواقع. فقد تحول أسد ليبيا وملك ملوك أفريقيا إلى باحث عن مأوى وعن رحمة البشر، يفر من هضبة إلى سهل إلى واد ثم إلى حفرة مظلمة تم انتزاعه منها بطريقة مذلة وهو مكسور العين. وهذا الرجل، بعد أن تحدى العالم الغربي وتقدمه وحضارته وديمقراطيته بكتابه الأخضر ونظامه الأحمر وثوبه الأصفر، وتهكم على الزعماء العرب في اجتماعات القمة حتى أضحكهم، وخالف المنطق في أقواله، بل خالف الزمن في آخر عمره، فوقع ضحية خيالاته وجنون عظمته، وأصبح نسخة مكررة للكثيرين ممن اعتقدوا أنهم منزلون من السماء وأنهم ليسوا من البشر، بينما نجد رسولنا الكريم، نبينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، رغم أن الله اصطفاه من بينهم كافة ليحمل رسالته السماوية إلى العالم قاطبة، كان يؤكد دائماً وأبداً بأنه ليس بمَلكٍ ولا مَلكٍ وبأنه لا يعدو كونه مجرد بشر يوحى إليه، وأنه ميت وأنهم ميتون.
وكان يمشي في الأسواق ويأكل الطعام ويلبس ما توفر له ولم يحمل صولجاناً ولا وضع تاجاً ولا جلس على عرش الملوك والأباطرة الذين أطاح بهم الواحد تلو الآخر، ولم يستول على عروشهم بل فضل أن ينام في بيته المتواضع الذي يأبى أن يعيش في مثله أغنياء زمانه.
لقد مات القذافي في صورة بشعة جداً تقشعر لها الأبدان، وتنفر منها النفوس. لقد مات تماماً كما ولد. فهو في نهاية المطاف بشر مثلنا. خرج إلى الدنيا وهو عارٍ تماما ورحل عنها وهو كذلك. ولم يتعلم من حكمة الحياة شيئاً. ولم يتعلم من سيرة من سبقوه حرفاً. فساق نفسه إلى ما ساق قبله أباطرة العالم إليه مصيرهم. فأين أباطرة الصين وملوك الفرس والرومان وملوك العالم قبله ومن سيأتي بعده؟ قتلوا وقاتلوا وتغطرسوا وتعالوا على شعوبهم ثم قتل منهم من قتل وسقط منهم في هاوية التاريخ من سقط وما زالت شعوبهم تلعنهم إلى يوم الدين. فأين هتلر وموسوليني وفرانكو وصدام وأين وأين وأين؟ هل يعقل أن القذافي لم يقرأ سطراً واحداً من كتب التاريخ خلال الأربعين عاماً من حكمه المتواصل؟
إنني أرفض الشماتة بمن مات أو قتل. فعندما تزهق روح آدمية أياً كانت، ينتهي بها المطاف. ولا يحق لأحد بعد ذلك التهكم بميت أو بمقتول أياً كان. ولكن يجوز لنا جميعاً أن نعتبر منها، ومن ثلاثة قصص من أروع وأجمل قصص الواقع العربي المر وليست كان يا ما كان في قديم الزمان، حدثت جميعها في ظرف أقل من سنة. سقطت فيها ثلاثة رؤوس كانت تؤمن بأن ملك الموت لن يصل إلى رقابها وأن شعوبها لن تجرؤ على مس عروشها. وأنها ستجمع خزائن الأرض كما صنع من قبلها فرعون إلى يوم يبعثون، فخابت ظنونها كما ستخيب ظنون من يؤمن بنفس هذا الإيمان، وخسرت نفسها وكرامتها وخزائنها وربما آخرتها. فإذا كان الله سيحاسبنا حتى على اختيار أسماء أبنائنا، فكيف لن يحاسبنا على أموال اقتنيناها بغير حق؟
هذا هو ثالث زعيم عربي يسقط من أعلى قمة الجبل إلى ما دون مستوى الأرض، ستسجل عنه كتب التاريخ القادمة ما لا يليق بحاكم شريف.
القذافي أصبح كان يا ما كان، وخرج من باب مظلم، أما ليبيا فهي الحاضر وتدخل من باب مضيء بالحرية. وإذا لم يتسم الليبيون ثواراً وغير ثوار بالحكمة التي افتقر إليها زعيمهم السابق، فسيقعون في حال أسوأ من حالهم زمن القذافي. وإذا تحولت ثورتهم العظيمة إلى سباق إلى العرش والكسب والتآمر والأنانية والظلم وإعادة الاستعمار الذي يجول كالذئب بيننا إلى أرضهم التي طهروها، فسوف يقضون حياتهم في حال أسوأ من حالهم في زمن العقيد. ليبيا أنعم الله عليها بالخير وبالنفط واليوم بالحرية. وعلى الثوار ومن وقف معهم أن يضعوا نصب أعينهم أمرين: مستقبل بلدهم وازدهاره. حاضرهم ما زال مجهول الهوية وهم من سيحدد هويته. فعند الحماس تخفت نيران الأنانية. وعندما يخفت الحماس تعود الأنانية لتشتعل في نفوسنا فتحرقنا وتحرق كل ما حولنا.
لا يوجد هناك رئيس ومرؤوس، الكل يعمل في البناء. كل الصينيين ساهموا في بناء سور الصين العظيم الذي يمتد لأكثر من 6700 كيلومتر. مات إمبراطور الصين العظيم الذي أمر ببنائه مجهولاً وحكم بعده غيره، وظل الصينيون مستمرين في بناء سورهم الذي سيحميهم من أعدائهم، وعندما أنجزوا مهمتهم بصمت وصبر وتضحية قبل ولادة المسيح عليه السلام بثلاثمائة عام، لم يسأل أحد عمن أمر بتشييده، ولكن الكل يسأل عندما يشاهد هذا الصرح الفريد من نوعه، عن قوة العزم لهؤلاء الرجال الذين حملوا الطوب قطعة قطعة فشكلوا منه رمزاً لقوة الصين.
نحن لا نطالب الليبيين (ببناء) سور الصين العظيم، فمساحتها تضيع في مساحة الصين، ولا يشكل عدد سكانها الذين لا يربون على الستة ملايين سوى قطرة في بحر سكان الصين. نحن نطالبهم (بتبني) نفس حكمة الصين: العزم والصبر والتضحية في بناء مستقبلهم.
كان لي زميل من الصين أثناء دراستي في فرنسا، وسألته بالطبع عن سور الصين وكيف استطاعوا بناءه في ظروف طبيعية صعبة في ذلك الوقت؟ وأذكر أنه رد مبتسماً كحال جميع الشرق آسيويين: (لأنهم آمنوا أولاً بأنهم ليسوا أباطرة)! فلو أن كل واحد منهم ظن أنه زعيم أو إمبراطور، لما تواضع ليحمل لبنة واحدة! وبالتالي لم يقم هذا السور، ولأصبحت بلدهم في مرمى سهام الأعداء ولقضي عليهم.
مبروك لكل من الشعب الليبي وقبله المصري وقبله التونسي دخول التاريخ في رقم زمني قياسي. وعليهم الآن البناء لا الهدم العدالة لا الظلم التضحية لا الأنانية. وإلا سلط الله عليهم من لا يخافه ولا يرحمهم.