أتيح لي في هذا الصيف أن أرى الولايات المتحدة مرة أخرى، حيث قمت بزيارة ابني الذي يقيم في مدينة جميلة من مدنها (سياتل) في أقصى الشمال الغربي، والتي تطل على المحيط الهادئ.
كنت قد رأيت الولايات المتحدة لأول مرة منذ ثلث قرن (1978)، وأذهلني حينئذ اختلافها الشديد، والذي لم أكن أتوقعه، عن أوروبا. كنت أظن بأن أميركا، باعتبارها امتدادا للحضارة الأوروبية، لن تختلف عن أوروبا إلا من حيث الكمّ: مستوى الدخل أعلى، وأنواع السلع أكثر، والسيارات أكبر والطرق أوسع... الخ، فإذا بى أجد الولايات المتحدة وكأنها أنشأت حضارة مختلفة تماما، وأن ضمّ نمطي الحياة، الأميركي والأوروبي، تحت مسمى واحد (الحضارة الغربية)، لا يعبر عن الحقيقة بدقة، وقد نكتشف بعد مرور زمن كاف، أنهما في الحقيقة حضارتان.
رأيت في أميركا في ذلك الوقت ما أذهلني، مثلما أذهل كثيرين غيري من العرب عندما رأوها لأول مرة، بل وأذهل كثيرين من الأوروبيين أيضا. قلت لنفسي: فلتنظر الآن ما فعل ثلث قرن آخر بالأميركيين، وقد كبرت أنا أيضا بمقدار ثلث قرن، ولا بد أن تكون نظرتي الآن إلى أميركا والأميركيين مختلفة.
كانت الصدمة الأولى بمجرد وصولي إلى مطار سياتل. كنت قد حصلت في القاهرة على تأشيرة دخول الولايات المتحدة دون مشقة، رغم غرابة بعض الأسئلة التي كان عليّ الإجابة عنها في استمارة طلب التأشيرة، ولا أعرف إجابتها، مثل تاريخ ميلاد الأم، وسؤال آخر عما إذا كنت قد قمت بعمل إرهابي في أي يوم من الأيام... الخ. ضربت الصفح عن مثل هذا وتوقعت أني، بعد أن حصلت على التأشيرة، لن يحدث ما يضايقني من المسؤولين عن الهجرة والجوازات لدى وصولي.
بمجرد وصولي إلى مكتب الجوازات في المطار، رأيت ما ذكرني فجأة بما كنت قد استغربته جدا عند وصولي أول مرة منذ 33 عاما. ليس للأميركي شكل واحد، ولا لون واحد، ولا أصل واحد. فما أن ترى أحدهم حتى تنشأ لديك رغبة في أن تسأله: "من أي بلد أتيت؟" كلهم بالطبع أميركيون، ولكنهم وُضعوا لفترة ما، تطول أو تقصر، هم أو آباؤهم أو أجدادهم، في تلك البوتقة الشهيرة التي صهرتهم فجعلتهم أميركيين، وإن اختلفت أشكالهم وألوانهم.
ولكن موظف الجوازات، وإن كان قد قابلني بأدب تام، أحالني إلى آخر، وأحالني هذا الآخر إلى آخر، مرة بزعم أن بصمات أصابعي غير واضحة، ومرة بزعم أنها لا تطابق بصمات أصابعي القديمة التي أخذوها منى في مرة سابقة. وقد اضطرت ابنتي، التي كانت في صحبتي، إلى أن تقف في انتظاري مدة طويلة، وهى قلقة من أن يشكّو في كوني "إرهابيا".
سألت الرجل بعد أن انتهى من عمله، عن سبب هذا الإصرار على مثل هذا التفتيش، مع أنه لا يمكن أن يكون في مظهري أو سنيّ أو وظيفتي المسجلة في الاستمارة، ما يمكن أن يبعث على هذا الشك. أبدى الرجل دهشة حقيقية من هذا السؤال، إذ كيف أستغرب أن يطبق الرجل القانون على أي شخص؟ وكيف يمكن أن أتوقع أن بعض الناس يمكن استثناؤهم من تطبيق القانون لأي سبب؟
تذكرت على الفور ما كنت قد اكتشفته لأول مرة منذ ثلث قرن، واستغربته وقتها استغرابا شديدا. الصرامة والغلظة اللتان يعامل بهما رجال الشرطة أو الموظفون العموميون، المواطنين الأميركيين جميعا، مما لم أقابل مثله قط في أوروبا. وقد فسرت ذلك وقتها بحاجة السلطة في أمريكا إلى استخدام درجة عالية من الغلظة مع مهاجرين من شتى أنحاء الأرض، ومن مختلف الطبقات ومستويات التعليم، لا يجمعهم إلا الرغبة في تحقيق حياة مادية أفضل في أميركا مما كانوا يلاقونه في بلادهم الأصلية.
لم ينجح تذكري لهذا التفسير في التخفيف مما شعرت به إزاء هذه المعاملة، ولكن الذي أنساني متاعبي فجأة هو رؤية ابني وهو واقف في انتظاري، وكان قد اعتراه بدوره ما كان قد اعترى ابنتي من قلق لطول اختفائي وراء أبواب مغلقة.
لا بد أن تكون لهذا علاقة بظهور ما يسمى "ظاهرة الإرهاب"، خلال العشرين عاما الماضية. كل الدول الآن تأخذ حذرها، ولكن لا بد أن الولايات المتحدة تأخذ الحذر أكثر من غيرها، بعد ما حدث في 11 سبتمبر 2001، بفرض أن هذه الحادثة كانت حادثا إرهابيا في الحقيقة، وليست شيئا آخر.
لم أحاول أن أذكر لابني كل ما مررت به بالضبط من مضايقات، إذ توقعت أن يشعر بشيء يشبه الشعور بالذنب (غير المبرر طبعا) إزاء ما حدث لي. وابني على أي حال سعيد تماما بحياته في أميركا، وقد اختار أن يبقى ويعمل فيها بطيب خاطر، ولا يبدو أنه غيّر رأيه في هذا الأمر. ولم أكن بحاجة إلى أكثر من ساعات قليلة في سياتل، لأتذكر ما يحققه ابني من مزايا كثيرة من وراء إقامته في الولايات المتحدة. الحياة في أميركا منضبطة كالساعة؛ كل شخص يعرف حقوقه بالضبط، وواجباته بالضبط، ولا تساهل في إجبار الشخص على القيام بواجبه، ومن ثم فهو لا يتساهل أيضا في اقتضاء حقوقه. كنت قد لاحظت هذه الظاهرة أثناء إقامتي عدة سنوات في انجلترا، والإنجليز مشهورون بالانضباط أكثر من الفرنسيين أو الإيطاليين وبقية الشعوب الأوروبية المطلة على البحر المتوسط، ولكني وجدت الأميركيين قد فاقوا الإنجليز في هذا بكثير.
رأيت في هذه الزيارة منظرا أثار إعجابي لما ينطوي عليه من انضباط من ناحية، وللمفارقة الصارخة بينه وبين ما يمكن أن يراه المرء في مصر. اصطحبنا ابني في يوم مشمس إلى شاطئ صغير على بحيرة واشنطن في سياتل. كان الجو يسمح بالاستحمام، فرأينا بعض الشبان وكثيرا من الأطفال يتمتعون بالنزول إلى الماء والعوم. رأيت يافطة كبيرة كتبت عليها القواعد المنظمة للاستحمام في هذا الشاطئ: ما يجوز عمله وما لا يجوز، والمسافة التي لا يجوز تجاوزها.. ولكن من هو الشخص المكلف بمراقبة تطبيق هذه التعليمات؟ فتاة جميلة لا تتجاوز العشرين من العمر، تجلس على كرسي مرتفع يسمح لها برؤية السابحين، وفي يدها بوق يسمح لصوتها بأن يصل إليهم. لاحظت أن الفتاة تقوم بواجبها بمنتهى الانضباط، لا تضحك أو تتحدث مع أحد مما يمكن أن يصرف انتباهها إلى غير ما هي مكلفة به. وتذكرت منظر امرأة مصرية كنت قد رأيتها في مطار القاهرة، وكانت مكلفة بإذاعة البيانات المتعلقة بهبوط وإقلاع الطائرات. وقارنت بين طريقة أداء الفتاة الأميركية والمرأة المصرية لواجبها؛ منتهى الانضباط في حالة، والتساهل الشديد أو التهاون في الحالة الأخرى. التركيز والانصراف الكامل لأداء الواجب في حالة، وتشتت الانتباه واختلاط الهزل بالجد في الحالة الأخرى.
لهذا الانضباط التام جاذبية شديدة، فضلاً عما يقترن به من كفاءة. ولكن لا بد أن له أيضا علاقة بما أشرت إليه من قبل، من غلظة وشدة في تطبيق القواعد. ربما كان هذا الانضباط نتيجة مباشرة لما يعرفه الجميع، من أنه لن يحدث أي تهاون مع من لا يقوم بواجبه. ولكنه قد يكون حصيلة عوامل أخرى كثيرة، تاريخية واقتصادية. قد يفتقد المرء بعض التساهل في تطبيق القواعد ويتوق إلى بعض المرونة، بل وبعض التهاون في تطبيق القانون، فللفوضى أيضا لذّتها ومزاياها. وأظن بأن اشتياق المصري الغائب للعودة لبلده، قد يكون من أسبابه الشوق إلى بعض الفوضى. ولكن المصري، شأنه شأن غيره، لا بد أن يكتشف، عاجلاً أو آجلاً، أن الانضباط هو الأنفع في النهاية.
ما هو الهدف النهائي من كل هذا الانضباط؟ إنه هدف بسيط للغاية، يدور كل شيء في أمريكا حوله، ولكن شرحه يحتاج إلى مقال آخر.