تحاشيا للإضراب الشامل الذي قرره الاتحاد العمالي العام في لبنان، بتاريخ 12 أكتوبر/ تشرين الأول 2011، بالتنسيق مع الهيئات النقابية في قطاعات التعليم والنقل وموظفي الدولة وغيرها، سارعت الدولة إلى إبرام اتفاق سياسي بين الأطرف العليا في الدولة، واستحصلت على موافقة رئيس الاتحاد العمالي العام. فصدر مرسوم ليلي عن مجلس الوزراء، قضى بإعطاء العمال زيادة هزيلة لذوي الرواتب المتدنية، وحرم منها ذوي الرواتب المتوسطة والعليا. ونص على تقديمات متواضعة كمنح تعليم لولدين فقط، وقرابة دولار واحد في اليوم كبدل نقل.
أعلن رئيس الاتحاد العمالي موافقته على مرسوم زيادة الأجور، دون الرجوع إلى الهيئات النقابية المشاركة. فخضع بذلك للضغوط السياسية، دون أن يتنبه إلى النتائج السلبية التي تعقب صدور المرسوم وتهدد بانهيار الاتحاد.
فمرسوم الأجور لم يلب طموح العمال ولم يرض الهيئات، وقضى بحرمان أصحاب الرواتب المتوسطة من الزيادة. ثم اضطر إلى المطالبة الفورية بتصحيح المرسوم، قبل صدوره في الجريدة الرسمية. لكن الحكومة تمسكت به، فزادت في عزلة الاتحاد، وشلت حركته بعد ظهور انقسامات حادة داخله، إلى أن بات في وضع لا يحسد عليه.
كان الهدف من معركة تصحيح الأجور، إطلاق حركة نقابية توحد نضال العمال والموظفين لتحقيق مكاسب مطلبية لاحقة. لكن صدور مرسوم الزيادة تحت الضغط السياسي، تحول إلى مادة خلافية داخل الحركة النقابية التي لم تعد موحدة، وهي تسير في الاتجاه المعاكس، خاصة بعد الشرخ العميق الذي أحدثه المرسوم وأدى إلى استمرار المعلمين في الإضراب المقرر، رغم عدول العمال عنه. وطرحت تساؤلات كثيرة حول الوضع التنظيمي المزري للحركة النقابية العمالية، التي باتت قياداتها مترهلة وتنفذ تعليمات السياسيين. ولا بد من تجديد الأداة النقابية العمالية، بحيث تمثل فعلا مصالح العمال ولا ترتهن لقرارات السياسيين.
نفذ القطاع التعليمي في جميع المؤسسات الرسمية والخاصة الإضراب التحذيري، ودعا قادته إلى إضراب حاشد يوم الأربعاء في 19 تشرين الأول 2011، للتعبير عن رفضهم لزيادة مزرية أدت إلى إحداث شرخ كبير في بنية الحركة النقابية في لبنان. وبلغ التأزم أقصى مداه في الجامعة اللبنانية، التي كانت قد أعلنت الإضراب المفتوح منذ مطلع العام الدراسي الحالي، ومنعت إجراء الامتحانات فيها حتى تحقيق مطالب الهيئة التعيلمية، وأبرزها إقرار سلسلة جديدة لرواتب أساتذة الجامعة، بعد أن بات راتب الأستاذ فيها أقل من نصف راتب الأستاذ في الجامعات العريقة، كالأميركية واليسوعية، أو حتى في الجامعات المنشأة حديثا في لبنان.
وحذر أساتذة الجامعة المضربون من أن تجاهل الحكومة لمطالبهم المحقة، وعدم مساواة رواتبهم برواتب القضاة الذين هم من طلابهم، يؤكد على وجود خطة مدروسة لإفراغ الجامعة اللبنانية من الكفاءات العلمية المتواجدة فيها، وتهجيرها إلى الجامعات الخاصة أو الخارج.
وتضامن أساتذة الجامعة اللبنانية مع طلابها، لخوض معركة مصيرية من أجل منع انهيار مستوى التعليم فيها، لأن الجامعة اللبنانية هي المؤسسة الرسمية الوحيدة العاملة، إلى جانب أكثر من أربعين جامعة خاصة. وهي تضم بمفردها نسبة تزيد على خمسين في المائة من الأساتذة والطلاب الجامعيين في لبنان. ويهدف الإضراب أيضا إلى إصلاح البنية الإدارية للجامعة، بعد أن شهدت مؤخرا حالة من التسيب المالي والأكاديمي، مما أضعف الإنتاج العلمي فيها. وتراجع البحث العلمي في كلياتها، كما تراجع مستوى منشوراتها التي كانت في عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، في طليعة المنشورات الأكاديمية على المستوى العربي الشامل، وكان مستوى التعليم فيها يضاهي أرقى الجامعات العاملة في لبنان وخارجه.
اللافت للنظر أن الحكومة اللبنانية قررت دفع تعويضات للسائقين العموميين عن ارتفاع أسعار البنزين والمازوت، بلغت أكثر من مائة مليون دولار في السنة. لكنها ترفض زيادة لا تتجاوز الخمسين مليون دولار، لإصدار سلسلة رواتب جديدة في الجامعة اللبنانية لإصلاح نظام التعليم والبحث العلمي فيها.
بدورهم، هدد أصحاب العمل بتقديم طعن قانوني أمام مجلس الشورى، لإبطال هذا المرسوم الذي لم يأخذ بعين الاعتبار قدرة كثير من أرباب العمل على تحمل الزيادات. وطالب الصناعيون اللبنانيون بالعودة إلى الثوابت المعتمدة والمتعارف عليها عالميا، ومنها عدم تدخل الدولة في تحديد زيادة الأجور، واعتماد مبدأ التعاقد الحر، على أن تحدد الدولة فقط قيمة الحد الأدنى للأجور. لذلك وقفت جمعية الصناعيين إلى جانب باقي الهيئات الاقتصادية، لتعلن رفضها تطبيق الزيادات المعلنة.
وأكدت على أن الحل الأمثل يقوم على اعتماد سياسة اجتماعية شاملة، يشارك في صياغة بنودها شركاء الإنتاج، أي الدولة وأصحاب العمل والعمال. فتقدم اللجان المشكلة من الأطراف الثلاثة، رزمة إصلاحات اقتصادية واجتماعية تحقق مصالح المجتمع اللبناني بكامله، وتؤمن شبكة أمان اجتماعي على المدى الزمني المتوسط وطويل الأجل، مما يساهم في زيادة القدرة الشرائية للبنانيين، ويطلق عجلة الإنتاج لتأمين فرص عمل جديدة، بدلا من اضطرار عدد من الصناعات إلى صرف قسم من عمالها أو إقفال أبواب البعض منها. وأبدت الجمعيات الاقتصادية تحفظها على مشروع الموازنة المطروح، وأعلنت رفضها لفرض زيادات ضريبية غير مدروسة، وجددت مطالبتها بتشكيل المجلس الاقتصادي الاجتماعي، ليعالج القضايا الاقتصادية المتفجرة وفق سياسة واقعية.
نشير أيضا إلى تظاهرات مطلبية عمت بعض المناطق اللبنانية، لتطالب بتحقيق مطالب مزمنة ومحقة. فأطلق مزارعو الزيتون صرخة غضب في وجه المسؤولين لأن زيتهم مكدس في الخوابي منذ سنوات، في حين أن الزيت المستورد يغرق السوق المحلية ويهدد حياة المزارعين.
ختاما، بعد خضوع الاتحاد العمالي للقوى السياسية المسيطرة، قاد مرسوم تصحيح الأجور إلى مزيد من تأزم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في لبنان، مما يؤكد سلامة توجه وزير العمل الذي يرى أن المسألة تتعدى تصحيح الأجور وسلسلة الرواتب، لتطال بنية السياسة الاقتصادية والاجتماعية السائدة في لبنان، وضرورة إصلاح بنية التعليم في الجامعة اللبنانية وقطاعات التعليم الأخرى. وبإمكان الحكومة تمويل زيادة الأجور، من خلال فرض رسوم على فوائد الودائع الكبرى في المصارف، وغرامات سنوية على مستغلي الأملاك البحرية والنهرية، ورسوم على الأرباح الكبيرة الناجمة عن بيع الأملاك والمضاربات العقارية، وغيرها. فالشعب اللبناني لم يعد يحتمل المزيد من المعالجات الجزئية لأزمات بنيوية.