خلق الله هذا الكون على قاعدة متينة من التوازن بين عناصره، وأي خلل يصيب جزءاً من بنيته يؤثر في بقية مكوناته، فالانسجام بين عناصر الكون يعد ضروريا لاستمراره. ولأن الإنسان عنصرٌ فاعلٌ فيه، فهو مدعو كذلك للانسجام مع ما حوله مما سخره الله عز وجل لخدمته.. يستفيد منها ولا يفسدها، لأن بفسادها فساداً لحياته في الأساس.
ولا شك في أن بلادنا تشهد حالة من حالات بعث الوعي البيئي، لا يمكن تجاهلها أو إنكارها، فلا يكاد يمر بعضٌ من الوقت إلا وتجد مبادرة بيئية، كان آخرها ـ على سبيل المثال - مبادرة سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم، نائب حاكم دبي وزير المالية رئيس بلدية دبي، بشأن تحويل "دبي مدينة خضراء" إلى واقع على الأرض، في غضون السنوات الخمس المقبلة.
كذلك جاء شعار اليوم الوطني للبيئة "الإمارات خالية من الأكياس البلاستيكية"، لينسجم مع الاهتمام المتزايد الذي تحظى به البيئة في دولة الإمارات، في ظل تسارع وتيرة التنمية الذي يعكس حرص القيادة الحكيمة على تحقيق توازن دقيق بين التنمية والاستغلال المستدام للموارد. واستوقفني إطلاق إمارة عجمان لمسابقة "أجمل حديقة منزلية"، إضافة إلى أن هناك حملة تنظيف شواطئ في أبوظبي والفجيرة. فالمبادرات الخيرة للحفاظ على البيئة وزرع الوعي بأهميتها، مستمرة وأهميتها تنبع من استيعابها لكافة الأنشطة، بدءًا من حديقة المنزل وليس انتهاء بالدولة ككل.
وكيف لمن لا يستطيع أن يحافظ على حديقة منزله نظيفة، أن ندعوه للحفاظ على البيئة بمفهومها الواسع؟ وهذا جانب تربوي مهم، إلا أنه من الملاحظ أن هذه الحركة المجتمعية، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، لا تواكبها رسالة إعلامية بنفس الزخم المرجو، وإن حدث ذلك فإن وسائل الإعلام ترتكب عدداً من الأخطاء أو الخطايا الإعلامية، منها:
أولاً؛ قلة البرامج الثابتة التي تتناول البيئة، والاكتفاء بالحديث عنها في المناسبات، مع أن هذه القضايا وآثارها مستمرة. ورغم أننا نعيش عصر التخصص في الإعلام، سواء المرئي أو المطبوع، حيث أصبحت للرياضة صحف وقنوات لا حصر لها، والحال كذلك في الدراما، وعن قنوات الأغاني حدث ولا حرج.. أما البيئة وقضاياها فالأمر مختلف كثيرا؛ فمن يبحث عن قناة أو صحيفة متخصصة معنية بقضايا البيئة، كمن يبحث عن مخيط في كومة قش، رغم أن تجاهلنا لقضايا البيئة يعني إهمال البحث عن جودة الحياة.
ثانيا؛ من الأخطاء التي يقع فيها الإعلام البيئي، ذلك التهويل في عرض المخاطر الناتجة عن مشكلات البيئة، اعتقاداً بأن التخويف من الآثار الناتجة عن التعامل السيئ مع البيئة من حولنا، هو العاصم والرادع لكل السلوكيات الضارة بالبيئة. وهذا غير صحيح ألبتة؛ إذ إن استخدام التخويف له سقف محدد، وإذا ما تعدى هذا الحد فقدت الرسالة الإعلامية تأثيرها، وأصيب الفرد بعدم الاكتراث أو لجأ لحالة من الدفاع الذاتي تبرر له سلوكياته، وقد يلجأ إلى تجاهل الرسالة المقدمة له عبر الإعلام. لذا فمن الأهمية بمكان أنه إذا أقدمت الرسالة الإعلامية على التخويف، فلا بد أن تفتح طريقا بديلاً للفرد يستطيع أن يسلكه، وإلا ترك الرسالة؛ إذ لا بد أن يكون التخويف والترهيب بحدود معقولة.
ثالثاً؛ رغم أن قضايا البيئة هي قضايا الناس كافة، متعلمهم وقليل الحظ من التعليم، إلا أن من يتصدى للحديث عنها يصر على استخدام لغة لا يفهمها الناس كافة، دون تبسيط، وكأننا مصرون على أن نظل في عزلة عن قطاع كبير من المشاهدين، واعتبارها من قضايا النخب، وعليه نفقد مساهمة قطاع غير قليل من المشاهدين. كما أن بعض معالجات وسائل الإعلام تنصب على الآثار التي تنتج عن المشاكل، دون التعرض للمشاكل ذاتها والحيلولة دون حدوثها، وتوضيح سبل علاجها.
رابعاً؛ لا بد أن يتمتع المتصدرون لقضايا البيئة بزاد ثقافي يعين صاحبه على تناول قضايا البيئة، من خلال معلومات صحيحة؛ حتى يكسب احترام المشاهد، خاصة وأنه يتعامل مع قضايا لها طبيعة متخصصة. ولا أنسى يوم أن شاهدت برنامجاً بيئياً في قناة عربية، يتحدث مقدمه فيه عن التماسيح البحرية، ويؤكد على ما يقوله ضيفه عن أنواع التماسيح البرية! فتعجبت وحزنت، متسائلاً عمن سمح لهذا أن يتحدث عن قضايا البيئة دون علم!
خامساً؛ عدم وجود خطط ثابتة تعبر عن استراتيجية إعلامية، بعيداً عن التعامل العشوائي، كمن يعمل بطريقة الجزر المنعزلة، أو التناول الموسمي المرتبط بالاحتفال بيوم البيئة العالمي أو يوم الأرض، وكأن وسائل الإعلام تقدم براءة ذمة، أو تغسل يديها من تهمة التقاعس عن نصرة البيئة، ثم ما تلبث تلك الزحمة الإعلامية أن تهدأ إلى أن تتلاشى، حتى إشعار آخر أو ظهور مشكلة بيئية، لنعمل بطريقة رد الفعل. بل إن كثيراً من قضايا البيئة التي يُتعرض لها، لا تتابع فيما بعد.
سادساً؛ تكتفي وسائل الإعلام بنشر أو إذاعة قدر من المعلومات البيئية، دون بذل المزيد من الجهد لتغيير الاتجاهات أو تعديل السلوك، عبر البحث عن رسائل ابتكارية تقدم من خلالها النموذج والقدوة التي يمكن الاحتذاء بها. والسؤال الذي لا أجد له إجابة، هو: لماذا الإصرار على تقديم الموضوعات البيئية في شكل يدعو إلى الملل؟ ولماذا لا يتم غرس الوعي البيئي عند الأطفال عبر الأشكال المحببة؛ من أفلام الكارتون والإعلانات التوعوية التي يحفظون كلماتها بشكل محبب؟ وكذلك؛ لماذا يغيب البعد البيئي عن أعمالنا الدرامية ونحن نعلم مدى تأثيرها والإقبال عليها من مختلف المراحل السنية؟
سابعا؛ رغم أن قضايا البيئة هي قضايا عالمية تخص كوكبنا بجملته، إلا أن تحديد أولويات القضايا التي تهم كل مجتمع، أمر في غاية الأهمية. فقضية الحفاظ على المياه وترشيد استهلاكها في بيئتنا، تسبق بكثير في أهميتها الحديث عن ثقب الأوزون أو غيره من قضايا البيئة وهي كثيرة. كما أن وسائل الإعلام عندما تتناول قضايا البيئة، تتحدث عن الإطار الذي يحيط بالإنسان حال وجوده في دنيا الناس، متناسية أن هناك بيئة - أولى له قبل أن يرى النور - يجب كذلك الحفاظ عليها، وهي بطن الأم التي يجب أن ينطلق العديد من الحملات الإعلامية للمناداة بالحفاظ عليها، لأن ما يكتسبه الفرد وهو في بطن أمه يلازمه ويؤثر فيه بعد خروجه منه، وهذا ما تثبته الأبحاث العلمية.
وأستميح القارئ عذراً لاستخدام لفظ "خطايا" بدلاً من "أخطاء"؛ لأن الأمر عندما لا يتعدى الشخص نفسه أو يرتكب لمرة واحدة فقط يكون خطأ، أما عندما يتكرر حدوثه و يؤثر في حياة الناس ويهدد مستقبلهم وحياة أبنائهم والأجيال المقبلة، فعندئذ يتحول من خطأ إلى خطيئة.