يقولون في الأمثال: "مَن أمِن العقوبة أساء الأدب"، لكن الأمر يتجاوز إساءة الأدب عندما يتعلق بأمن البلد وسلامة أفراده، وتحدي القوانين التي يبدو أنها ما زالت عاجزة عن معالجة بعض الظواهر والمشكلات المتعلقة بالعمل والإقامة في الدولة.

وفي التغطية التي نشرتها جريدة "الخليج" الأسبوع الماضي، للحملة التي قامت بها إدارة متابعة المخالفين والأجانب في الإدارة العامة للإقامة وشؤون الأجانب في الشارقة، نموذجان صارخان لتحدي قوانين الدولة والاستهانة بها، نموذجان يدلان على أن هناك ثغرات في قوانيننا تجعل البعض يتحداها ويستخف بها، لأنها تخلو من العقوبة الرادعة لكل من يفكر في مخالفتها واختراقها.

يقول أحد الذين تم القبض عليهم خلال تلك الحملة، إنه جاء إلى الدولة بتأشيرة زيارة، وظل مخالفا أكثر من ثلاث سنوات، وهو مطمئن إلى أنه سوف يعود إلى بلده، لأن سفارة دولته ستقوم بترتيب إجراءات السفر له، إضافة إلى توفير التذكرة.

ويؤكد أنه ليس نادما على فعلته، لأنه كوّن ثروة خلال وجوده في الإمارات، تكفل له العيش في بحبوحة عند عودته إلى بلده! أما الثاني فيقول إنه جاء إلى الدولة عبر التهريب بسفينة من دولة مجاورة، بعد أن دفع أربعة آلاف درهم لأحد الأشخاص، سمّاه "دلالا".

وظل يعمل في نبش القمامة وجمع المخلفات ثلاث سنوات، متخذا من إحدى الباحات في المنطقة الصناعية في الشارقة مأوى له مع زملائه. وقد وصل معدل دخله الشهري 3500 درهم، يصرف منها 600 درهم للأكل والشرب، ويرسل الباقي إلى أسرته في بلاده.

نموذجان نستطيع أن نستخلص منهما نقاطا عدة يجدر بنا أن نتوقف عندها، كل نقطة منها تشكل سببا من أسباب تفاقم ظاهرة هروب العمال والخدم، إضافة إلى استمرار ظاهرة التسلل إلى الدولة عبر منافذها المختلفة، وتحوّلِ هذه الظاهرة إلى تجارة لها سماسرة وتجار، يستفيدون منها مثلما يستفيد المتسللون الذين لا يبالون بالمخاطر التي يتعرضون لها.

وهي مخاطر تنحصر في وسيلة النقل التي يستخدمونها للوصول إلى الدولة، ثم الدخول دون إلقاء القبض عليهم من قبل حرس الحدود والسواحل، الذين يبذلون جهدا كبيرا في مكافحة هذه الظاهرة، ومع ذلك فما زال هناك من ينجح في التسلل واختراق الحدود. والدليل النموذج الذي رأيناه، وغيره كثيرون ممن لا يزالون بعيدين عن أعين السلطات، رغم أنهم يقيمون بيننا، متحدّين كل القوانين، غير آبهين باللحظة التي سيتم اكتشاف أمرهم فيها.. لماذا؟

أولا، لأنهم واثقون من أنه لا توجد قوانين رادعة لهم عند إلقاء القبض عليهم، فلو عرف الهارب أو المتسلل أنه سيتعرض لعقوبة شديدة ورادعة، تتضمن غرامة مالية كبيرة لا تستحق المغامرة، ولا يعدلها ما سيحققه من كسب مادي خلال إقامته مخالفا في الدولة، أو فترة سجن تتناسب مع المخالفة التي ارتكبها.

وهي مخالفة تستحق أن تصنف في خانة الجرائم التي تمس أمن البلد وسلامة أفراده والمقيمين فيه، لو عرف هذا الهارب أو المتسلل أنه سيتعرض لشيء من هذا، لفكر ألف مرة قبل أن يقدم على الهرب من كفيله أو التسلل بشكل غير شرعي.

فالثروة التي يقول الأول إنه كونها خلال وجوده في الدولة، والمبالغ التي حولها الثاني لأسرته على مدى ثلاث سنوات من الإقامة غير الشرعية، يجب أن يدفعا أضعافها كي لا يكررا التجربة ثانية، أو يقضيا ما يكافئ ذلك في السجن عقابا لهما على ما اقترفا من مخالفات لقوانين الدولة.

ثم يأتي بعد ذلك الدور الذي تلعبه سفارات الدول التي تنتمي إليها هذه العمالة الهاربة أو المتسللة، إذ يتضح من كلام المخالفين أنهم مطمئنون إلى أنهم سوف يعودون إلى بلدانهم بسهولة ويسر، وأن سفاراتهم ستقوم بترتيب إجراءات سفرهم وتأمين التذاكر لهم.

هذا الاطمئنان أساسه تجارب الذين سبقوهم إلى خرق قوانين الدولة والهرب من كفلائهم، أو التسلل بطرق غير شرعية، فهذه السفارات توفر المأوى الآمن لمواطنيها الهاربين والمخالفين، وتتولى نيابة عنهم الاتصال بكفلائهم للمطالبة بتسليم جوازات سفرهم، بل إن بعضها يوفر لهم أعمالا بديلة خلال فترة الهروب هذه، وهي تعلم جيدا أن هذا مخالف لقوانين الدولة.

كما تقوم، عبر موظفين رسميين لديها، برفع قضايا لدى المحاكم، ليخرج الكفيل بعد هذا كله خالي الوفاض، خاسرا كل ما صرفه لإحضار العامل أو الخادم، مرغما في أحيان كثيرة على دفع تذكرة السفر له أيضا.

استقواء الهاربين والمتسللين بسفارات بلدانهم، وعدم وجود قوانين رادعة لهم عند إلقاء القبض عليهم، يجعل هؤلاء المخالفين يكررون فعلتهم ويعودون إلى بلدنا مرة أخرى، بأسماء وجوازات سفر جديدة، ويدفع كثيرين غيرهما إلى السير على خطاهما، طالما بقيت القوانين لدينا قاصرة عن معاقبتهم، وطالما ظلت سفاراتهم تتستر عليهم، وتوفر لهم الملاذ والمأوى.

وتقوم بترتيب إجراءات السفر لهم عند إلقاء القبض عليهم من قبل السلطات المختصة، أو عندما يكتفون ويقررون من تلقاء أنفسهم العودة إلى بلدانهم، بينما نقف نحن عاجزين عن ردعهم، وأقصى ما نستطيع فعله هو أن نلوذ ببرامج البث المباشر شاكين من هروب العمال والخدم، ومن العمالة السائبة المنتشرة في المناطق الصناعية، التي تحولت إلى عشوائيات وبؤر للمخالفين والمتسللين والهاربين من كفلائهم.

"من أَمِن العقوبة أساء الأدب" مثل ربما يصلح لحالات كثيرة، لكن الحالة التي نحن بصددها تتجاوز إساءة الأدب إلى الإخلال بأمن البلد وتهديد سلامته، الأمر الذي يدعونا إلى إعادة النظر في قوانيننا، كي لا يستخف بها وبنا المخالفون، وكي لا يتحول بلدنا إلى ملاذ آمن للراغبين في تحسين أوضاعهم المتردية في بلدانهم، على حساب أمننا وسلامتنا، ومستقبل أجيالنا التي نريد لها وطنا لا مكان فيه للهاربين والمتسللين، الذين يقيمون بين أكوام القمامة ويعتاشون عليها.