أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة يوم 24 أكتوبر موعدا لبدء احتفالاتها بالعيد الوطني الأربعين لتأسيس اتحاد الإمارات العربية، وهو لا شك لفتة جميلة تعبر عما يجول في نفوسنا جميعا من ولاء وحب وفخر بالاتحاد.
فكل يوم من هذه الأيام الأربعين يعبر عن سنة من عمر الاتحاد، وكل يوم هو تذكير لشعب الإمارات بما أنجزه رواد الاتحاد من تخط للصعوبات والتحديات من أجل تأسيس الاتحاد ومن عمل مخلص دؤوب لجمع شمل أمة تشتت، وكل يوم هو احتفال لنا ونحن نرى ثمرة جهودنا تكبر
وتنضج. إن هذه البادرة الجميلة لا شك تعني الكثير ليس فقط للذين عايشوا سنوات الاتحاد مرحلة بمرحلة ولحظة بلحظة ونبضا بنبض من ساسة ورواد ومواطنين مخلصين ممن لعبوا دورا مهما في إضافة لبنة إلى صرح الاتحاد، بل للأجيال الجديدة التي ولدت وكبرت في حضن الاتحاد.
وتنعمت بخيره وبدفئه وأمانه لكي تعرف وبشكل دقيق ماذا يعني أن تنتمي لأمة وليس فقط دولة. فأن تحمل جنسية دولة هو شيء ولكن أن تنتمي لأمة بكل ما تعنيه هذه الكلمة من مقومات اللغة والدين والتاريخ والعادات والمصالح المشتركة هو شيء آخر مختلف تماما.
نريد لاحتفالات هذا العام أن تكون مميزة لأنها تعبر عن نبض الأمة، نبضنا كجسد واحد يحملنا جميعا، عن نبضنا كأمة عربية مسلمة تجمعنا على أرض واحدة، عن وحدتنا في كيان واحد بعد شتات وفرقة. يحق لنا في كل يوم من هذه الأيام الأربعين أن نسترجع أسباب قوتنا وأسباب تضامننا وأسباب وحدتنا التي قهرنا بها المستحيل.
فقد بقى الاتحاد لأننا أصرينا أن نظهر للعالم بأننا بالفعل أمة واحدة تريد لوحدتها أن تبقى وتدوم. فقيام اتحاد بين مجموعة من الدول أو الكيانات ليس بالشيء الذي يعد معجزة ولكن المعجزة الحقيقية هو بقاء هذا الاتحاد كل هذه السنوات واستمراريته وسط خضم متلاطم من المطبات الإقليمية والتحديات السياسية والقضايا الداخلية الصعبة. فلولا وجود مقومات الأمة المشتركة، ووجود الإرادة الحقيقة والرغبة الأكيدة في استمرارية الاتحاد وفي نجاحه لما وصلنا إلى هذه المرحلة واحتفلنا اليوم بهذه المناسبة.
إن بقاء الاتحاد ونجاحه هذا النجاح العظيم أعطانا كأمة وكشعب إماراتي مكانة مميزة في التاريخ العربي المعاصر ودافعا يدفعنا كل يوم. فقد عمل ساسة عظام ورواد كبار ومواطنون مخلصون على إبقاء شعلة الاتحاد مضيئة متوهجة كل هذه السنين. فدور المغفور لهما بإذن الله باني الاتحاد الشيخ زايد وأخيه الشيخ راشد بن سعيد سوف يبقي خالدا على مر الزمن. فهما كانا الدينامو المحرك لمفاوضات الاتحاد وميلاده بعد ذلك. ولا شك أن هاتين الشخصيتين قد لعبتا دورا رئيسيا في إنجاح مفاوضات الاتحاد وميلاده.
ولكن هناك أيضا روادا مخلصين عملوا بجد وسوف تبقى بصمتهم خالدة على مر الزمان. فهم لعبوا دورا مساندا لدور الآباء المؤسسين ووضعوا كل خبراتهم الحياتية والعملية لكي يولد الاتحاد قويا ويعيش سعيدا. إلى جانب هؤلاء جميعا كان للمواطنين المخلصين دور مهم. فهم وضعوا ثقتهم وقدر الاتحاد ولاءهم لأنه أفضل تعبير عما يجول في نفوسهم، وبالتالي يحق لنا جميعا أن نفخر بهم وأن تتذكرهم الأجيال الجديدة بكل تقدير.
احتفالاتنا بالعيد الوطني هذا العام يجب أن تكون مميزة. فنحن شعب استطاع أن يخلق كيانا متماسكا وقويا من جملة من المتناقضات. فعلى عكس الكيانات السياسية الأخرى في العالم فقد ولد الاتحاد على بقعة من الأرض لم تكن تمتلك أدنى مقومات البنى السياسية أو التحتية أو حتى كوادر مواطنة مؤهلة لكي تحمل على عاتقها إرساء قواعد هذا الصرح.
لم تكن التحديات السياسية والبشرية هي العامل الوحيد الذي كاد أن يقف في وجه الاتحاد بل إن طبيعة الثقافة الاجتماعية والقبلية التي كانت سائدة في المنطقة كادت هي الأخرى أن تكون عقبة حقيقية في وجه إقامة واستمرارية الاتحاد. جملة هذه العوامل كان في إمكانها أن تصبح عقبة كأداء في سبيل إقامة الاتحاد لولا وجود الرغبة الصادقة والمخلصة.
ولولا وجود تلك الإرادة لما قام الاتحاد واستمر ونضج. كل ذلك بفضل عزيمة قوية أظهرتها قيادة الإمارات وأهلها. لقد أثبتوا للعالم أن سلاسة العلاقة بين الحاكم والمحكوم هي وحدها القادرة على تغيير الواقع وعلى تخطي أي عقبة مهما كبرت وأن تلك العلاقة هي وحدها القادرة على اجتياز المطبات وتطويع التحديات.
إننا لا نزعم هنا أن اتحادنا مثاليا لأن المثالية هي فقط في الجمهوريات الصورية التي رسمها الفلاسفة في الأدبيات المروية ولكن يمكن القول بأننا كأمة وكشعب نجح في تطويع كل ما لديه من إمكانيات لخير مجتمعه وخير البشرية جمعاء والتأقلم المتناغم مع جواره. إننا عندما نقول إن مجتمعنا قد اجتاز كل عوائق التأسيس لا نزعم أننا وصلنا لمثالية مقومات البناء.
فلا يزال أمامنا الكثير للوصول إلى تلك المرحلة. لا يزال مجتمعنا شابا يافعا يحاول الأخذ بكل أسباب التقدم للوصول إلى المراكز الأولى اللائقة به وإن كان عليه أن يدفع ضريبة باهظة، لا يزال مجتمعنا يعاني من أمراض مزمنة بعضها ورثه من سنوات ما قبل الاتحاد وبعضها الآخر جاء إليه مع المدنية الحديثة، لا يزال مجتمعنا يعاني من جملة من تحديات العولمة، لا يزال مجتمعنا يعاني من نقص في تأهيل الكوادر البشرية المواطنة.
وإن كانت هذه هنات إلا أننا كأمة نطمح ألا يأتي العيد الخمسين إلا والإمارات قد تخلصت منها. فنحن شعب عرف بالتحدي ولا يوجد في قاموسه مكان للمستحيل، إننا بذلك نكون قد حققنا حلم آبائنا المؤسسين وروادنا العظام وآبائنا وأجدادنا الذين وضعوا أول لبنة في صرح الاتحاد.