بالرغم من قلة الصور والمعلومات الموثقة والمفصلة، فإن مجرد الوقوف على ظاهرة عبور ما بين ١٠٠٠ إلى ٣٠٠٠ شخص يوميا للحدود الكينية أو الأثيوبية يعتبر دليلا ملموسا على خطورة الوضع: فليس من العادي على الإنسان أن يهاجر موطنه بهذه السهولة. بعبارة أخرى، لا أحد يجادل بأن الوضع قد أصبح خطيرًا في الصومال.
ولكن، حتى وأنا أقول هذا الكلام، فإنني لست واضحًا تمامًا بسبب عجزي عن وصف ما يجري حقيقة هناك. فهل هؤلاء الذين يهاجرون هم في واقع الأمر يفرون من منطقة حرب أم من الاضطهاد، أم أنهم لم يعودوا قادرين على إيجاد موارد العيش؟ ربما للسببين معًا. ولكن، بالرغم من التحاليل الكثيرة والمعطيات المفصلة والتقارير الصادرة عن الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية، لا يمكننا معرفة حقيقة الأمر.
كشفت دراسة نشرتها شبكة نظام الإنذار المبكر بالمجاعة (Fews Net) أن جنوب الصومال هو الأكثر تضررًا، وبأن الشمال تسود فيه نسبيًا وفرة الطعام، بينما يقترب وسط البلاد من انعدام التوازن. في المقابل، نجد أن الجنوب هو المنطقة الأكثر تطورًا من الناحية الزراعية، حيث تتشكل من هضبة يعبر من خلالها نهرا جوبا وشبيلا، بالإضافة إلى أنها كانت مركزًا لتصدير الأغذية.
وإذا كانت قدرة السكان على ضمان معيشتهم هناك قد تضررت، فمن المحتمل أن عناصر أخرى لها صلة بانعدام الاستقرار قد ساهمت كذلك في تدهور الأوضاع. فلا شك أن هناك علاقة بين عواقب الجفاف وانعدام الاستقرار السياسي.
حيث ان منطقة جنوب الصومال تواجه التقلبات المناخية بأنظمة السقي، التي يبدو أنها في هذه الحالة لم تعمل كما يجب. وعليه، فإن هذا الوضع هو نتاج مشترك لقلة الأمطار وتدهور النظام السياسي، وإن كّنا لا نستطيع في هذه المرحلة معرفة طبيعة المشكلة على وجه التحديد.
لا شك أن رقمًا مثل ١٢.٥ مليون شخص موزعين على حفنة من البلدان لا يمكن أن تكون له من دلالة سوى جرس الإنذار، الذي دقته منظمة الأمم المتحدة للتحذير من وجود أزمة حادة. غير أنني أعتقد أن الأمر يتعلق بإستراتيجية فاشلة. فترديد مثل هذه الأرقام المليونية والنحيب على ملايين الضحايا لا يعدو أن يكون دليلا على تفاهة الحملة الترويجية وإخافة من نحاول تعبئتهم لمكافحة الأزمة.
كما أن من يقدمون مثل هذه الأرقام سوف يجدون أنفسهم في موقف حرج في حال راجعت الصحافة ذاكرتها قليلا. فهل أحتاج إلى أن أذكركم بأنه قبل سنتين أو ثلاث، تحدثت منظمة أوكسفام عن ٣٠ مليون شخص مهددين بالمجاعة في القرن الأفريقي. وفي ميانمار، كان هناك حديث عن مليون ونصف شخص يتهددهم خطر الموت.
ولا ننسى إنفلونزا الطيور التي تهدد نحو مليارين من الناس في العالم. عامًا بعد عام هناك الملايين من الضحايا المفترضين. فلا شك إذن أن نسيانهم شبه الفوري يدل على تفاهة هذه الحملات الإعلانية. فربما يجدر بنا إذن تجاوز هذه الأرقام والتركيز على بؤرة الأزمة الغذائية: أي بعض المناطق في جنوب الصومال التي توجد فيها جيوب للمجاعة.
كما يجدر بنا أن نلاحظ أن انعدام اليقين في هذه المعطيات مرده إلى صعوبة الوصول إلى المناطق المعنية بالأزمة، ما يحيلنا مرة أخرى على المسؤوليات المحلية وإلى المسؤولين السياسيين في الصومال.
البعض متخوفون من وجود قنبلة موقوتة، ويرون أن انعدام الأمن الغذائي اليوم يتجه بنا غدًا نحو مجاعة واسعة النطاق. هؤلاء ليس لهم علم بأي شيء. إن المجاعات هي ظواهر يصعب التكهن بها، وإن الحديث عن مجاعة محتملة هو خطاب استغلالي.
حاليًا، هناك حديث عن مجاعة قد تغطي مجموع شرق أفريقيا في شكل وباء ينتشر على حلقات شاسعة. غير أن واقع الأمر غير ذلك، فالمجاعة لا تضرب أبدًا مناطق كاملة، ولكن نطاقات محددة داخلها. كما أن كينيا وأوغندا وجنوب السودان تختلف في عدة جوانب.
وبالتالي، فإن تجميعها معًا في وحدة شاملة ُتدعى "القرن الأفريقي" لا معنى له في هذه الحالة. ولا أنسى في النهاية أن أُذكر بأن المجاعة يكون لها بعد مرئي واضح، حيث نراها فورًا من خلال العدد الكبير للأشخاص البالغين الذين لم يعد لديهم شيء آخر سوى جلدهم الهزيل على العظام.
وهو خلاف ما نراه حاليًا في المناطق التي يمكننا الوصول إليها. إن الأمر لا يتعلق هنا بالدخول في سجلات دلالية مجانية وبعيدة عن الموضوع، بل بالتذكير بأن الكلمات التي نستخدمها من أجل وصف حالة ما هي التي ُتحدد نوع المساعدة التي من المفترض أن ننظمها استجابة لها. إنها مسألة تشخيص دقيق ومنهج، يتطلب العلاج المناسب، إن شئنا التحدث بلغة الأطباء.
من الناحية الترويجية، كانت الاتهامات التي أطلقتها منظمة أوكسفام في حق الحكومة الفرنسية، التي وصفتها بالأنانية بالرغم من وجود "أزمة من هذا الحجم" خطة ناجحة، بما أن المساهمة الفرنسية قفزت من ١٠ إلى ٣٠ مليون يورو. ولكن، لا يكفي تكديس ملايين الدولارات لمساعدة الصوماليين، مثلما اكتشفنا في حملات الإغاثة الحالية. فالأمر إذن يتعلق بانتصار قصير المدى: فبعد جمع الأموال، سوف يكون من الصعب تقديم أدلة واضحة عن طريقة صرفها أو حتى تقديم المساعدات لمن يحتاجونها.
أعتقد أنه يوجد هناك إيمان قوي بقدرة المال والتكنولوجيا على خلق التغيير، تلعب فيه المنظمات غير الحكومية دور من يقدم تلك الخدمة. وأرى أن الحرب في ليبيا هي دليل آخر على هذه الظاهرة. وحين أتحدث عن الإيمان، فلأنني أربط هذا السلوك بما هو ديني، الذي يرتبط بدوره بمصالح أكثر ما تكون مادية.
لنتذكر الخلاف الذي وقع بشأن التبرعات التي تلت كارثة التسونامي سنة ٢٠٠٤. فمجرد تشكيك منظمة أطباء بلا حدود في مدى حدة الطوارئ في ذلك الوضع ورفض استلامها للتبرعات قد جلب عليها ردود فعل بلغت حدًا نادرًا من العنف، لا يمكن تبريرها سوى بذلك الجانب الانفعالي للإيمان، وطبعًا برغبة البعض في ملء خزائنهم.
وما نتذكره كذلك في الصومال، هو أن المساعدات في حالات المجاعة لا تتلخص في إمطار المساعدات الغذائية على المجموعات السكانية المعزولة والمنكوبة. ولكن، نجد أن هذا النموذج شبه المقدس هو الذي يطبق دائمًا: نقوم بجمع التبرعات، ُنحولها إلى أطعمة مغذية، ثم نوزعها على من هم بحاجة إليها. ولكن للأسف، ليس الأمر بهذه البساطة.
فإذا أخذنا بعين الاعتبار الضغط الإعلامي المتزايد مع ما يصاحبه من تهويل مفرط ودق لأجراس الخطر، فلن أستغرب أن يقترح بعضهم إرسال فرق عسكرية مرافقة لحماية بعثات المساعدات القادمة. قد يبدو الأمر سخيفًا، ولكن من الواضح أننا قد نشاهد ما هو أسخف من ذلك.
وما لم نكن نحاول تكرار الأخطاء الشنيعة التي ارتكبها الأميركيون مع عملية «إعادة الأمل» سنة ١٩٩٢، فمن البديهي أن محاولة تنظيم كل هذه المساعدات الإنسانية يجب أن تتم بشراكة مع السلطات المحلية والوسطاء المحليين، الذين لا يجب علينا لا أن ننزههم ولا أن نشيطنهم. فمن دون هؤلاء، أو ضد هؤلاء، لن نستطيع فعل شيء، وهذه حقيقة نادرة لا جدال فيها بالنسبة لهذا الوضع. ولا ننسى أن ُنذكر بأن هؤلاء يتحملون هم كذلك المسؤولية، وليس فقط المتدخلون الأجانب.