بدأت الإرهصات الأولى للتغيير في المعالم السياسية لمنطقة الشرق الأوسط، مع قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، فمنذ ذلك الحدث الكبير تمر المنطقة بحالة عدم استقرار غير مسبوقة، تخللتها ثلاث حروب كبيرة انتهت بسقوط الدولة العراقية. وشهد النظام الرسمي العربي انهياراً تاماً، بعد أن تضاءلت إلى حد كبير الحدود الدنيا للمشتركات بين الدول العربية. وأخيراً، ومع مطلع العام 2011، أطل علينا الربيع العربي ليعصف بأنظمة سياسية لم يكن في الحسبان رحيلها بسهولة.
وقد هيأت تلك الأحداث وما تبعها من تداعيات، أجواء جديدة لمولد واقع جديد في المنطقة، يحكمه نظام جديد في أطر علاقات جديدة بين دوله وبين العالم أجمع.
انطلق "الربيع العربي" في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، وهي منطقة تتقاطع فيها مصالح اقتصادية وجيوسياسية وثقافية، للدول المتشاطئة وللدول العظمى كذلك، وتطل عليها ثلاث قارات، حيث تشغل أوروبا معظم سواحلها الشمالية، وتشغل إفريقيا سواحلها الجنوبية، وتشغل آسيا سواحلها الشرقية وجزءاً من سواحلها الشمالية.
وقد وضعت أحداث هذا الربيع الدول الغربية العظمى أمام خيارين لا ثالث لهما؛ أولهما الاستمرار في السير وفق نهجها التقليدي في دعم أنظمة حليفة لها لا تحظى بالحد الأدنى من القبول الشعبي، وثانيهما التخلي عن هذا النهج ورسم استراتيجية جديدة لكسب ود الشعوب، في أطر علاقات جديدة لا تتعارض مع مصالح الطرفين.
تركزت المطالب التي رفعتها الجماهير الثائرة في الربيع العربي، على القضايا اليومية التي تتعلق بحياة المواطن وتعطشه الشديد للحرية. وخلت الشعارات التي رُفعت في الساحات والميادين ورددتها الحناجر، من الشتائم للاستعمار والرجعية، على خلاف ما ألفه الشارع العربي في تظاهراته في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن المنصرم، خاصة أن النظامين اللذين أسقطا في تونس ومصر كانا من أقرب حلفاء الغرب في المنطقة.
وعلى الرغم من التردد الذي طبع موقف الدول الغربية وهي ترقب الأوضاع بقلق، إلا أنها سرعان ما حسمت موقفها لصالح هذا الربيع، وبدأت بتقديم الدعم المعنوي والسياسي والدبلوماسي، وأخيراً الدعم العسكري الجوي عن طريق حلف الناتو، وربما أكثر من ذلك مما لم يتسرب إلى وسائل الإعلام بعد.
في هذا السياق، لا بد من التوقف عند الموقف الفرنسي، المتميز بحماسة شديدة للتدخل المباشر في صميم الأحداث، فقد انتقلت فرنسا بسرعة من موقف التردد والتمهل وهي تراقب الشارع التونسي المنتفض، إلى التطلع باهتمام أكبر إلى هدير ميدان التحرير في العاصمة المصرية، إلى كسر القواعد المعتادة وأخذ المبادرة في قيادة قوات حلف الناتو الجوية، حين بدأت بنغازي ثورتها للإطاحة بالرئيس الليبي معمر القذافي.
والحقيقة أن الموقف الفرنسي يمكن تفهمه بشكل أفضل، إذا أخذنا في نظر الاعتبار الطموحات الفرنسية الكبيرة، وديناميكية الرئيس ساركوزي التي تدفعه لسبق الأحداث أحياناً. فالقيادة الفرنسية ترى أن هناك ثغرة بين قدرات فرنسا كدولة عظمى، وبين الدور المتاح لها فعلياً على الساحة السياسة الدولية، وهي ثغرة طالما أرقت الزعامات الفرنسية منذ عهد الرئيس الراحل شارل ديغول، الذي لم يكن سعيداً بعضوية بلاده في الناتو.
فرنسا تحتل المركز الخامس عالمياً من حيث حجم اقتصادها، والثانية أوروبياً بعد ألمانيا، والثالثة في العالم من حيث حجم الإنفاق العسكري، والثالثة أيضاًَ في مجال القوة النووية بعد الولايات المتحدة وروسيا، وتعد الأكبر والأقوى عسكرياً بين دول الاتحاد الأوروبي. وقد احتلت على مدى العقد الأخير من السنين، المركز الرابع في سوق توريد السلاح العالمي.
فرنسا تطمح لزعامة متميزة، إلا أن بقاءها تحت الزعامة الأمريكية سياسياً وأمنياً وعسكرياً في حلف الناتو على المستوى العالمي، وبقاءها تحت الزعامة الاقتصادية الألمانية على المستوى الأوروبي، يضعف فرصها لتحقيق ذلك. فلديها في الوقت الحاضر زعامة واحدة، وهي زعامة المجموعة الفرانكفونية، مجموعة الدول الناطقة باللغة الفرنسية، وهي زعامة لا تمنحها أبعاداً سياسية كبيرة قدر ما تديم علاقات تعود إلى عصر الهيمنة الاستعمارية.
في هذا السياق، نستطيع أن نلقي بعض الضوء على الموقف الفرنسي المتحمس لإسناد الربيع العربي، بالارتباط مع طموح الزعامة على حوض البحر الأبيض المتوسط، فهي الدولة الأقوى عسكرياً والأكبر اقتصادياً بين الدول التي تطل على حوضه، وهي كذلك الدولة الأكثر أهمية في صناعة تاريخ دول الشمال الإفريقي التي تطل على حوضه.
يعتبر البحر الأبيض المتوسط من الناحية التاريخية، أهم الفضاءات الاستراتيجية للطموحات الفرنسية، فمن خلاله تمكنت فرنسا من توسيع دائرة نفوذها لتصل إلى الشمال الإفريقي في القرن التاسع عشر، حين كانت حرة في التحرك. إلا أنها أصبحت منذ تأسيس الاتحاد الأوروبي، أسيرة خطط الاتحاد في مجال التنمية المتوسطية، وهي على أية حال خطط توفر مساحة ضئيلة لا ترضي فرنسا.
مشروع "الاتحاد المتوسطي" الذي تقدم به الرئيس الفرنسي ساركوزي في يوليو من عام 2008، يدخل ضمن أطر الطموحات الفرنسية الكبيرة، ويتجاوز في طروحاته الأطر التي تبناها الاتحاد الأوروبي حول "الشراكة الأوروبية المتوسطية"، التي أقرها مؤتمر برشلونة عام 1995 بين الدول الـ15 الأعضاء في الاتحاد آنذاك، والدول الـ12 غير الأوروبية المطلة على حوض المتوسط.
إلا أن تحقيق هذا المشروع يتطلب إضافة أرقام أخرى إلى ميزانيات الدول الأعضاء فيه، وستكون فرنسا أكثر الأعضاء إسهاماً في كلفة تحقيقه، وليس من المعروف إن كانت في وضع مالي يساعدها على ذلك، رغم أنها تعافت سريعاً من حالة الركود التي أصابت معظم اقتصادات العالم عامي 2008 2009.
وغادرته مع ألمانيا قبل أن يغادره آخرون كبار لا يزالون حتى الآن أسرى قيوده الثقيلة. فقد أعلن المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية الفرنسي (إنسي)، في الخامس والعشرين من سبتمبر 2009، أن الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بدأ بالارتفاع، مؤشراً على خروج فرنسا من دائرة الركود الاقتصادي.
فرنسا حريصة على المضي قدماً في تحقيق هذا المشروع، وقد سجلت نقاطا عديدة لصالح تزعمها له، من خلال مواقفها من الربيع العربي، فهل يتحول سعيها نحو تحقيقه إلى ابتعاد لها عن أوروبا؟