تحقيق السلم والأمن الدوليين، هو الهدف الأسمى للقوانين الدولية، ولكافة التشريعات والمبادئ الناظمة لعلاقات الشعوب، التي تسهر عليها وتنشغل بتطبيقها الأمم المتحدة. كل الأهداف والغايات الأخرى، كالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية والتعليمية، وحماية البيئة والحفاظ على التراث الإنساني، وتعميد حقوق الإنسان والتمكين للمرأة والطفل.. تبدو بعيدة المنال إلى درك الاستحالة، في مناخ مفعم بالصراعات والحروب وعدم الاستقرار.
بالنظر إلى هذه القناعة، فإننا نجادل بأن استظلال الشعب الفلسطيني بدولة مستقلة؛ عضو في الأمم المتحدة، تحت طائلة الشرعية الدولية العامة وما تقرر لهذا الشعب من حقوق بصورة خاصة، يمثل إنجازا رائعا وناجعا على طريق بسط السلم والأمن والاستقرار داخل فلسطين، وفي جوارها الإقليمي القريب والدولي الأبعد.
بل ونذهب في هذا المقام إلى طموح أوسع، حين نحاجج بأن الأمم المتحدة لن تعثر على وصفة سحرية المفعول، تعلن بها عن وجودها وتؤكد هيبتها وقدسية أهدافها في هذه المرحلة من حياتها، أفضل من استقبالها فلسطين الدولة كاملة العضوية أولا، ثم السعي حثيثا لتحريرها من ربقة الاستعمار الإسرائيلي الممتد، تاليا.
على مدار قرن وزيادة، قاسى الشعب الفلسطيني عذابات تكفي لأن يكون الأحرص على لملمة شعثه، ومداواة جراحه، وتصفيف أطره ومؤسساته، والتعجيل بممارسة حياة ديمقراطية خالية من العنف.. واستدراك ما فاته في سنوات الصراع واللجوء والضياع.
وتشير أسس قيام هذه الدولة، كما مثل لها خطاب الرئيس أبو مازن في الأمم المتحدة، إلى نوازعها السلمية منذ البداية.. فالحركة الوطنية الفلسطينية طرقت أبواب القوانين والمواثيق الدولية، وهي تعلن جهرة تخليها عن العنف، والالتزام بنصف ما أقرته لها الشرعية الدولية من أرض فلسطينية في قرار التقسيم الشهير عام 1947.
وعلاوة على دورها في إرضاء جانب من الطموحات الوطنية للفلسطينيين في الجهات الأربع، وتسكين ثائرتهم وغضبهم التاريخي، وإزالة صفة البجعة السوداء عنهم بين شعوب الدنيا، ستكون الدولة الفلسطينية محطة فارقة في تهدئة خواطر العرب والمسلمين والقوى المحبة للسلام، والعاطفين على عالم القانون والنظام في الجهات الأربع. نفهم هذا من مطالعة مواقف نحو 130 دولة مؤازرة لقيام هذه الدولة، وقد صفقوا وقوفا لرئيسها في الجمعية العامة للأمم المتحدة. ومن منظور حسابي، يبلغ حجم هذه المنظومة أكثر من ثلثي سكان المعمورة عددا.
ثم إنه بانبعاث فلسطين الدولة، سيزول إلى حد التلاشي أو الأفول، بعض من أنشط بواعث التشاحن والبغضاء بين الدائرة العربية الإسلامية من جهة، وعالم الغرب على جانبي الأطلسي من جهة أخرى.. ففي سيرة القضية الفلسطينية منذ بزوغها إلى يومنا هذا، ما ساق الفلسطينيين، ومن خلفهم طائفة واسعة من العرب والمسلمين، إلى الحنق - حتى لا نقول الحقد - على الغرب، بحسبه المسؤول الأول عن جناية إنشاء الكيان الصهيوني الاستيطاني، وما ألحقه بفلسطين وجوارها الإقليمي من جرائم ظاهرة وباطنة.
أين هذه الفضائل والمزايا جراء بروز فلسطين الدولة وانضمامها للأمم المتحدة، من التوابع الكارثية لقيام إسرائيل وسيرتها المنكودة؟
لقد كان إعلان إسرائيل نذير شؤم على السلم والأمن الدوليين، ولم يحدث في التاريخ الحديث والمعاصر أن كان وجود دولة إيذانا باندلاع صراع ضروس، أدمى وجه محيطها الإقليمي وهدد لغير مرة بحرب عالمية، مثلما ترتب على نشوء إسرائيل. وتعد هي الدولة الأكثر عصيانا للقوانين والمواثيق الدولية وقرارات الأمم المتحدة، بما في ذلك أسانيد وجودها ذاته.
وإسرائيل هي الدولة الوحيدة في التاريخ، المنمنمة من جميع الجوانب، لكنها سعت إلى حيازة أسلحة الدمار الشامل منذ اليوم التالي لإعلانها.. وهي اليوم أيضا الدولة التي تتفرد باحتلال أراضي شعب آخر، وتنكر حقه في تقرير المصير، وتجهر بأن قائمة لدولته المستقلة لن تقوم دون إرادتها وإملاءاتها. ثم إنها الدولة الأكثر تواقحا في هذا العالم، حين تذهب إلى أن أمنها، وليس الشرعية الدولية، هو المحدد الأعلى لسلوكها تجاه الآخرين.
هذا دون الاستطراد إلى ما تعنيه القوانين الإسرائيلية، لا سيما الخاصة بالعودة والمواطنة، من اعتداءات وتهديدات للسلم الاجتماعي بالنسبة لدول أخرى، وانتهاكات لحقوق الشعب الأصيل في فلسطين التاريخية.
هذا غيض من فيض الفوارق بين ما استتبع وجود إسرائيل، وبين ما يعد به قيام فلسطين.. فأي الفريقين أحق بدعم الأمم المتحدة والانخراط في عضويتها؟