قال لي ناصحاً "عليك أن تقرأ كل يوم ولو صفحة من كتاب، وألا يمر يوم إلا وتضيف إلى قاموس حياتك فكرة أو معلومة جديدة. ما أتعس تلك الأيام التي تمر دون أن تسطر في صفحاتها جديداً تعتز به يوماً ما في مشوارك، فاجعل دائماً يومك أكثر ثراءً من أمسك، وحاول أن تجعل غدك أفضل من يومك ولو أن تخطو كل يوم خطوة إلى الأمام؛ فمشوار الألف ميل يبدأ بخطوة، ومعظم النار من مستصغر الشرر".

تلك كانت كلمات أحد أساتذتي يوم كانت قدماي تتلمس طريقها إلى قاعات الدراسة في الجامعة، دارت في خلدي واستدعتها ذاكرتي وأنا في طريقي لمقابلة إبراهيم الخادم نائب فريق "حصاد المعرفة"، وهي المبادرة التي تتبناها "مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم"، والمعنية بإثراء الحصيلة المعرفية لدى فئات المجتمع، ولإذكاء نزعة القراءة لديهم، والتي تمد من خلالها يد التعاون مع المؤسسات التعليمية لنشر إصدارات المؤسسة من برنامجي "ترجم" "واكتب"، التي يتجاوز عدد عناوينها الـ(713) عنواناً في مختلف العلوم والمعارف، من أجل تنمية عادات القراءة والمعرفة والبحث العلمي.

الحق أنني اعتقدت أن التعاون قد يتمثل في الحصول على إصدارات المؤسسة بمقابل رمزي، نستطيع من خلاله تشجيع طلبة الجامعة على الاطلاع والقراءة، والمؤسسة بذلك تقدم خدمة جليلة في دعم الثقافة وصناعة المثقف بجعل الكتاب في متناول اليد. إلا أنني فوجئت، كعادة المؤسسة دائماً، بإعطائنا قائمة تشمل جميع الإصدارات المتاحة التي أصدرتها المؤسسة، لاختيار العناوين التي نريدها وبأي عدد من النسخ، وتوزيعها على الطلبة دون مقابل، في الإطار الذي نريده وبالكيفية التي نحددها.

وعلى الرغم من سعادتي وتقديري لهذا الأمر، إلا أن ذاك شأن هذه المؤسسة العريقة التي تضع من صناعة العقول هدفاً يسبق أي هدف، وترقية الفكر ربحاً يفوق أي ربح، وهذا شأن كل من يسعى إلى بناء الإنسان قبل بناء الحجر، وبالإنسان مثقف الفكر نابه العقل متين العلم، تبنى الأوطان وتُشيّد الحضارات.

الكتاب هو العالم الذي يختصر لك الزمن، ويكثف لك اللحظة ليضيف إلى حياتك حيوات أُخر، كنت تحتاج مئات السنين حتى تكتسب خبراتها إن كفت. نزلنا إلى أعماق البحار ورأينا ما فيها دون أن تبتل أيدينا بالماء، وصعدنا إلى سطح القمر وشاهدنا تضاريسه ونحن جلوس في حدائق منازلنا. كيف لمن عرف لذة هذا الطريق ألا يلزمه أو يدير ظهره إليه؟ ألم تكن الأعمال العظيمة التي غيّرت وجه العالم، أفكاراً بين دفتي كتاب التقطتها عقول واعية ملكت الإرادة لجعلها صورة حية نجني ثمارها؟

تذكرت أول مرة ذهبت فيها لشراء كتب، لم أكن أدري حينها ماذا أشتري، ولم أحدد وجهتي بعد، فأخذت بعضاً من الروايات، وتعجبت من تلك القدرة التي وهبها الله لأناس يستطيعون تشريح النفس البشرية كما الجرّاح ويصفون دقائقها، ويرسمون لك عوالم تذهب بك بعيداً.. ثم تناولت كتاباً في السير الذاتية والتراجم، ثم في أدب الرحلات، ثم في العلاقات الدولية. قرأت كتباً استمتعت بها، وقرأت كتباً لم أفهمها، قرأتها مرّة ومرّة، وفي كل مرة كنت أقترب منها رويداً رويداً، حتى صادفت مقولة الأديب عباس العقاد "أن تقرأ كتاباً ثلاث مرات خير من أن تقرأ ثلاثة كتب". وعملت بها حين قرأت العبقريات للمرّة الأولى في سن مبكرة، ثم الثانية والثالثة، وفي كل مرة كنت أشعر بأنني لم أقرأها من قبل، وأعتقد أنّي ما زلت بحاجة إلى قراءتها.

إنني أدعو إلى إطلاق حملة توعية ثقافية، تدعو إلى أن تكون المكتبة جزءاً أساسياً في كل بيت، يكونها الأبناء بأنفسهم من مدّخراتهم، حتى يشعروا بقيمتها ويعتزوا بها، دون أن يحضرها لهم الآباء أو تظل جزءاً من "ديكور" المنزل، أو باباً من أبواب الوجاهة الثقافية، ولا مانع من إطلاق جائزة أفضل مكتبة منزلية، على غرار مسابقة أجمل حديقة منزلية التي تقيمها البلديات.

الكتاب أنيس الجالسين وصاحب مخلص لمن حار في البحث عنه، يعطي دون أن ينتظر المنح أو العطاء، لذا فعلى الرغم من انتشار الثقافة السمعية، وتعدد مصادر السمع والمشاهدة، إلا أن ثقافة القراءة هي الأدوم والأكثر ثباتاً؛ لما فيها من إعمال للعقل وبذل للجهد.

وفي أيام خلت، كنا نستقطع من مدخراتنا على قلتها لنشتري كتاباً، وإن لم نكن أول من تصفحه نسعد به أشد من سعادتنا بباقي الأشياء، وها نحن اليوم نعيش زماناً تعددت فيه مصادر المعرفة، وظهرت المصادر المرئية المصورة التي استقطعت جزءاً من جمهور الكتاب، فضلًا عن "الانترنت" بما يحويه من كتب "الكترونية"، إلا أن الكتاب الورقي سيظل الأبقى بملمس الورق، ورائحة الحبر، وجمال الحرف الذي يفتقده الكتاب الالكتروني.

في سنغافورة يطلب الناس الكتب التي يحددونها من المكتبات العامة، عبر الهاتف كما يطلبون البيتزا، وهناك من المتطوعين من يقومون بتوصيلها، وهناك من يتطوع من سائقي سيارات الأجرة للمساعدة في ذلك، ليظل أفراد الأسرة مهما كانت ظروفهم على صلة بالكتاب. وكما أن اللياقة البدنية تتطلب من صاحبها أن يمارس التدريبات الرياضية بشكل منتظم، فكذلك اللياقة الذهنية تتطلب أن يكون الإنسان على صلة بمصادر الثقافة والتعلم.

ولأن المكتبات الوطنية لأمّة "اقرأ" زاخرة بكتبها وخاوية من روادها، فمن الأهمية بمكان أن يتم غرس عادة القراءة في أطفالنا منذ الصغر، حتى تصير متعة لهم من خلال جعل الأب والأم القدوة والنموذج، فكما نذهب إلى الأسواق بحثاً عن غذاء الجسم، علينا ألا ننسى غذاء العقل ضمن فاتورة مشترياتنا الحافلة بما نحتاجه وما لا نحتاجه، ولمَ لا يشجع رب الأسرة أبناءه على قراءة كتاب ويناقشهم في محتواه؟ إنه ليس أمراً مستحيلاً، وقد شاهدنا في السفر والترحال في بلاد العالم، كيف تحرص الأسرة بكاملها خلال رحلاتهم وفي فترات الانتظار، على أن يخرج صغيرهم وكبيرهم كتاباً يمسكه بيديه كأنه المحبوب.

كما أتمنى أن تكون هناك حصة للمكتبة كما حصة الألعاب الرياضية، يعرض فيها الطالب كتاباً قرأه ويحصل فيه على درجات النشاط الثقافي؛ فالتعليم النظامي بوضعه الحالي قد يخرج متعلماً، لكنه لا يصنع مثقفاً يدرك ماهية الحياة والحكمة من وجوده فيها.

لذا فإنني أدعو هؤلاء الذين يبدأون مشوار حياتهم قبل أن تزحف عليهم الحياة بهمومها، أن يكون للقراءة من يومهم نصيب، لأن قارئ اليوم.. هو صانع الغد.