صورة لبنان وهي تعكس الفراغ السياسي حين تم حلَّ الحكومة السابقة (قبل أشهر)، بدت أشبه بغمام رمادي لا يُتوقع أن ينكشف عن أملٍ في تسوية في القريب المنظور. وما ضاعف من منسوب التّشاؤم، هو التناظر الوطيد بين الصورة اللبنانية بوجهيها الأمني والسياسي، وما يشهده العالم العربي من اختلال بيّنٍ في أمنه القومي العام.
أمّا الذين يعاينون الحالة الإجمالية اليوم، فأكثرهم يذهب إلى ربط الوضعية غير المستقرة للبنان، بمحيطه الإقليمي المهزوز. ثمّ يرتّبون على هذا الربط، نظرية مؤداها، أنّ ثمّة حرباً لبنانية باردة، تحمل قابلية الاشتعال في أي وقت.
ما الذي يمكن أن يقال إزاء هذه الوضعية؟
أول ما يستدعي الكلام هنا، هو المنهجية التي يؤسَّس عليها المهتمّون، عند النظر إلى الحالة اللبنانية. يقوم هذا التأسيس على اعتقاد بأن الانشطار في الحياة السياسية والأهلية في لبنان ،هوأمرٌ يدخل في إطار البديهيّات. وأن تسوية أزماته الاجتماعية والسياسية، تقوم أساساً على هذه البديهيّة.. تضاف إليها بديهية ملازمة، هي مفعول العامل الخارجي الحاسم في توليف أو إعادة توليف كل عقد سياسي مستأنف.
لم تكن الاختبارات التي مرّ بها لبنان على امتداد عقود مضت، سوى تأكيد لهاتين البديهيّتين.
ولكن الثابت في الصورة الراهنة، هو أن دخول القول السياسي على نصاب القسمة، هو في الواقع تقليد تاريخي راسخ. ولأنه كذلك، فقد ظل على الدوام محمولاً على بساط بارد. فقد تعامل اللبنانيون معه كنمط عيش لا مناص منه، ولذا رأينا كيف كانوا يعيشون الانقسام ويتكيّفونه، بوصفه أحد أبرز مكوّنات الأطروحة الحافظة لميثاقهم الوطني.
البعض ممن شُغِفوا بهذا التقليد، حملوه على محمل الضرورة لإصلاح ذات البين، ثمّ انبروا إلى اعتبار أن الأخذ به كمنهج لإدارة السياسات المصيرية، هو الصواب التاريخي بعينه.
ولنا في ما ذكره فلاسفة النظام الطائفي، من ميشال شيحا ويوسف السودا وشارل مالك، إلى سائر التلاميذ القدماء والجدد، ما يجعل الولاء لكيان بهذه الأوصاف والمعايير، يرقى إلى مرتبة التقديس. كانت الحجّة لديهم أن التقليد يحمي لبنان من حروبه الأهلية المستدامة.
لكن هؤلاء على الجملة، سرعان ما كانوا يصابون بالندم، حين ينفك التقليد عن ضوابطه وشروطه، لتنفجر البلاد بأهلها، ثم لتتحول إلى شظايا، وجغرافيات متناحرة.
يظهر لبنان اليوم، قاب قوسين أو أدنى من الندم. والذاكرة اللبنانية القريبة والبعيدة، تمتلئ بالتجارب والتسويات، وألوان الحلول التي لم تفلح في حماية الوطن أو صونه من العنف. هذه الذاكرة سوف نلقاها حاضرة حضور العين، في كل مرّة تستعاد فيها الدراما الأهلية، لتلج تفاصيل المشهد اللبناني على الجملة.
في الحركة السياسية الداخلية الحائرة بين المعارضة والموالاة والحياد، ليس ثمة ما يخفِّف من الشعور بأننا غدونا بعيدين عما يسمى بـ"محميّة التقليد".
إن ما يجري، يؤول على الجملة، إلى مفارقة الحدود المعقولة لخطاب السلم الأهلي. ولقد تبيّن لنا نحن اللبنانيّين، أن لغة الحرب التي قطّعناها جملة جملة، وحرفاً حرفاً، على امتداد تسوية ما بعد الطائف، ها هي الآن تُسترجع بلسان حار وعقل بارد، من جانب ممثلي الطوائف وزعاماتهم. كأنْ لم يعد من متّسع لهؤلاء، سوى الاعتصام في كهوف الطوائفية الصمّاء. أو كأن لم يعد لهم، لكي يتجدد مجدهم السياسي، إلا أن يستظلوا لغة الفتنة والإقصاء والتفريط والقسمة الوطنية.
هذه اللغة التي ظنّنا يوماً أنها ذوت واندثرت، نعود نسمعها من جديد. تماماً كتلك التي كنا سمعناها قبل ثلث قرن مع انفجار الحرب الأهلية. لكن المفارقة هذه المرة، أن لغة الفتنة طفقت تحوِّم كغراب مشؤوم فوق زمن لبنان، بدأت رحلته الدموية مع اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ولم تنفك تداعياتها وفصولها تضرب البلاد يوماً بعد يوم.
حمّالو لغة الحرب الأهلية، يدركون على الأرجح، مقاصد ما يقولون. ولا يتعلق الأمر ـ بالنسبة إليهم ـ باجتهاد سياسي بريء يحتمل الخطأ والصواب، إنما يتصل بخطاب مرتَّب بإتقان، ويتحرك بدقة على خطٍ موازٍ للخطوط الإجمالية، التي تُرسَمُ على مدار جغرافيات المنطقة كلها.
في هذا المحل بالذات، تكمن التداعيات الكارثية للغة الحرب. فهي لغة انتحارية بجميع المقاييس، ذلك أن لا مرجعية له، إلا مرجعية الفتنة الأهلية وثقافة الفرقة. سوى أن خَشْيَتَنا من الحرب اللبنانية الباردة، أنها تجد في الأيديولوجيا اللبنانية المبعوثة من القبر، نظيراً لها. وما يزيد من وطأتها، أنها تلقى الآن ما يغذّيها ويمدّها بعوامل التّضخُّم، على مساحة التصدّعات العارمة في نظام الأمن السياسي والإقليمي.
أما الكلام الساري هذه الأيام عن ثورة لبنانية، نظير ما يحدث في العالم العربي، فذلك ما لا يقع ـ على ما ندّعي ـ ضمن هذا الفضاء، ذلك أن حظ الثورة المبنية على الغضب الطبقي والتحرر الوطني، قد ذوى تحت وطأة زمنٍ طويلٍ من التّشظي. فالمنطق الذي يحكم الصيرورة اللبنانية، لا يغادر مختبرات الطوائف ولا سقوفها الإسمنتية.
صحيح أن التغيير هو أمرٌ ممكن، كما تقول الحكمة السياسية للنّظام الطائفي، ولكنه تغييرٌ يشترط فيه عدم مفارقته للقواعد المرسومة من طرف النّظام نفسه. وليست التظاهرات الشبابية العلمانية التي ظهرت على صورتها الباهتة في شوارع بيروت مؤخّراً، سوى تنبيهات على رداءة الأحوال، من دون أن يتسنّى لها حظ القدرة على التأسيس لولادات تقيم البلاد على نشأة أخرى.