عنوان هذه المقالة مستعار من التقرير الذي صدر في السابع والعشرين من سبتمبر المنصرم، عن "مجموعة الأزمات الدولية للأبحاث" التي تتخذ من العاصمة البلجيكية بروكسل مقراً لها.
وهو تقرير أثار الكثير من التشنجات لدى أكثر من جهة سياسية عراقية، حكومية أو قريبة منها، لأنها تعاملت معه بحساسية مفرطة أبعدتها عن جادة الصواب والموضوعية، خاصة أن إصداره جاء وتداعيات الاستقالة المثيرة للتساؤل لرئيس هيئة النزاهة، القاضي رحيم العكيلي، لمّا تذوِ بعد. والحقيقة أن موقف هذه الجهة أو تلك من محتويات ما ورد في هذا التقرير، ليس غير انعكاس عن مدى الاستفادة أو مدى الضرر الذي لحقها من الوضع القائم.
بداية، لابد من التعريف بهذه المنظمة وأهميتها، فهي منظمة دولية غير ربحية وغير حكومية، مهمتها منع حدوث الصراعات والعمل على تسوية النزاعات الدموية حول العالم، من خلال قيامها بإجراء دراسات ميدانية لتقدير حجم المخاطر، وإسداء المشورة، وتقديم توصيات عملية لصناع القرار على أعلى المستويات، لتجنب اندلاع الصراعات.
وتعتبر هذه المجموعة مصدرا مهماً للتحليلات والمشورات المستقلة والحيادية، التي تقدم للحكومات والهيئات الدولية، مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي. وقد سبق للجهات الرسمية العراقية أن أبدت تحفظات بدرجات متفاوتة، على تقارير أخرى عن العراق صدرت عن منظمات عالمية أخرى، مثل منظمة العفو الدولية ومنظمة مراقبة حقوق الإنسان ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة الشفافية الدولية وغيرها.
ولا بد من التأكيد على أن هذه المنظمات هي منظمات دولية مستقلة، لها معايير موضوعية علمية في البحث والتقصي، بدءاً من جمع البيانات وانتهاءً بإصدار التقييم النهائي.
فهي منظمات على درجة عالية من المهنية، ومن غير الموضوعي الطعن في حيثيات ما يرد في تقاريرها السنوية، التي تُعد استناداً إلى معلومات دقيقة موثقة، ومنظمة بطرائق يسهل التعامل معها باستخدام الأساليب الإحصائية الحديثة والنماذج الرياضية المتطورة، من أجل رسم صورة لواقع المستقبل ومساراته المحتملة.
التقارير التي تصدر عن هذه المنظمات هي دراسات على درجة عالية من الرصانة، تستطيع الحكومات الركون إليها والاستفادة مما ورد فيها من عرض للحقائق ومن توصيات إيجابية تغنيها عن الاستعانة بخبراء عالميين. فهي دراسات مجانية ينبغي أن ترحب بها الحكومات، لا أن تتحسس منها وتقوم بتوظيف طواقمها الإعلامية الهزيلة للنيل منها والطعن في مصداقيتها، كما يحدث من قبل الجهات الرسمية العراقية مع كل تقرير يصدر عن إحدى هذه المنظمات.
يقع تقرير "مجموعة الأزمات الدولية للأبحاث" في ثمان وثلاثين صفحة، وتركز أغلب الفقرات فيه حول المخاطر التي تحيق بالدولة العراقية، الناجمة عن الأجواء غير الصحية في العملية السياسية، وعن الممارسات غير الدستورية التي تصدر عن الجهات التي تصنع القرارات، وعن تراجع الدور الرقابي وتعاظم دور السلطة التنفيذية، وعن الدور الذي يلعبه الفساد المستشري في أجهزة الدولة في تقويض وتآكل شرعية مؤسساتها.
أبرز ما في التقرير فقرتان وردتا في متنه، أولاهما أن "المؤسسات التي أقيمت بموجب دستور عام 2005 للإشراف على عمل الحكومة، كديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة وهيئة التفتيش والبرلمان والمحاكم، كانت عاجزة عن إثبات نفسها في مواجهة تدخلات الحكومة وتصلبها ومناوراتها". وثانيتهما، أن "الأحزاب تعتبر الوزارات بمثابة حسابات مصرفية خاصة، تتفشى فيها المحاباة والرشاوى وعمليات اختلاس الأموال، الأمر الذي يؤثر على المستوى المعيشي للمواطنين".
ولسنا بحاجة لكبير عناء للاستنتاج بأن التقرير يدين من خلال هاتين الفقرتين، العملية السياسية برمتها. فالإشارة إلى عجز المؤسسات المكلفة بالرقابة على الحكومة، وعدم قدرتها على القيام بمهامها لضعفها، هو طعن في المعايير التي اختير وفقها أعضاء هذه المؤسسات من جهة، وإدانة لمجلس النواب الذي وقف متفرجاً حين أنهت السلطة التنفيذية حيادية هذه المؤسسات من جهة ثانية.
وغمز في قناة الدستور الذي جعل صلاحيات الأجهزة الرقابية فيها الكثير من الالتباسات من جهة ثالثة، وإدانة للحكومة المستمرة في توسيع دائرة مركزيتها، لخروقاتها الدستورية وتعطيلها للأجهزة الرقابية من جهة رابعة، وطعن في نزاهة الأحزاب ونظافة أياديها ونقاء سرائرها من جهة خامسة.
وإذا كان التقرير يشير في إحدى فقراته إلى أن "هناك تآكلا مستمرا لمصداقية حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي، ناجما عن الفشل في صون المؤسسات من الفساد وسوء الاستخدام"، فذلك لا يعني إدانة للمالكي وحزبه بالذات، قدر ما يعني إدانة للقوى السياسية المساهمة في الحكومة التي تسمى حكومة شراكة وطنية، فهي شريكة في الفساد قدر ما هي مستفيدة من بعض ميزات العملية السياسية.
الفساد في العراق كما هو الحال في أي بلد في العالم، نتاج فشل وعجز في منظومة العلاقات السياسية والمجتمعية، دستوراً وممارسات، وخلل خطير في منظومة القيم، وليس بسبب واقع فرض من الخارج. فهناك أكثر من حالة ساطعة تدل على مدى ما وصلت إليه القيم السياسية والقانونية من تردٍ، حين أصبحت القدرات على اجتثاث المعادين للفساد والداعين لكشفه والقضاء عليه، أكثر فاعلية من القدرات المتوافرة لاجتثاث المفسدين أنفسهم.
والحقيقة أن عملية الإصلاح في العراق تتطلب ردم ثغرات كثيرة وكبيرة، بعضها في الدستور وفي القوانين السائدة وفي الأعراف الغريبة عن المجتمع العراقي التي جاء بها رواد العملية السياسية، وبعضها الآخر في ذمم وضمائر القيادات التي تدير المسرح السياسي العراقي، والتي لم تقدم للعراقيين سوى موائد خاوية زادتهم سغباً وإحباطاً، وجعلت من العراق بلداً ضعيف الوجود هامشي التأثير، ينهش في لحمه كل من هب ودب.
وقد حرصت المجموعة التي أصدرت التقرير، على وضع خارطة طريق تُخرج العراق من دوائر المخاطر التي في انتظاره، وذلك بتقديم حزمة من التوصيات التفصيلية، بعضها موجه للحكومة والبعض الآخر موجه لمجلس النواب. إلا أنها قد جانبت الصواب في ذلك فالمؤسستان، الحكومة ومجلس النواب، مشلولتان وعاجزتان، وربما غير راغبتين في تغيير مساراتهما، لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها في هذه السطور. لكن "مجموعة الأزمات الدولية"، على أية حال، ليس بمقدورها فعل غير ذلك.