بإمكانك أن تطالع الصحف الرئيسية والقنوات الإخبارية الرئيسية في أمريكا طوال الأسبوع الثالث من سبتمبر، دون أن تعرف أصلا أن اعتصاما حاشدا كان يجري في مدينة نيويورك. فالإعلام الأميركي تجاهل تلك المظاهرات والاعتصامات لما يقرب من أسبوع كامل، ثم إذا به اضطر إلى تغطيتها اضطرارا يناصبها العداء ويسخر منها.
فمنذ الحادي والعشرين من سبتمبر الماضي، احتل الآلاف ميدان الحرية المتاخم لوول ستريت في مدينة نيويورك، احتجاجا على ما لحق بالاقتصاد الأميركي من دمار يرى المتظاهرون أن وول ستريت من أهم الضالعين فيه. وقد أطلقت حركة الاحتجاج على نفسها اسم "احتلال وول ستريت" أو "احتلوا وول ستريت"، وقال منظموها إن ميدان الحرية الذي يعتصمون فيه هو "ميدان التحرير المصري بالنسبة إلى حركتهم". المفارقة هي أن الإعلام الأميركي تعامل مع ميدان الحرية الأميركي، كما تعامل الإعلام المصري مع ميدان التحرير وقت الثورة!
ومثله مثل الإعلام المصري، اضطر الإعلام الأمريكي اضطرارا إلى كسر التعتيم الذي فرضه على الحدث، حين قامت الشرطة بالاعتداء على المتظاهرين واستخدمت غاز الفلفل المدمر ضدهم، قبل أن تعتقل ما يقرب من المائة منهم. فما جرى للمتظاهرين نقلته هواتفهم المحمولة بالصوت والصورة لشبكة المعلومات، فلم يعد بإمكان الإعلام المرئي والمسموع تجاهل الحدث.
ورغم أن تجاهل الإعلام الأميركي كان عمدا بطبيعة الحال، فإن تلك ليست المرة الأولى التي يتجاهل فيها حدثا لا يعجبه. لكن مغزى التجاهل هذه المرة، مصدره أن طبيعة هذا الإعلام نفسه هي ذاتها إحدى تجليات الظاهرة التي خرج المتظاهرون في نيويورك للاحتجاج عليها أصلا. فالمؤسسات الإعلامية الأميركية، في معظمها مؤسسات عملاقة تملكها حفنة قليلة من كبار رجال المال والأعمال، تتحكم في سوق الإعلام ومضمونه معا، وهدفها الرئيسى هو الربح، لا تقديم خدمة إعلامية حقيقية تقوم على المهنية والموضوعية، وبعضها، مثل إمبراطورية ميردوخ الإعلامية، ذات أجندة سياسية وأيديولوجية واضحة.
والذين خرجوا للشوراع "لاحتلال وول ستريت"، غاضبون من السياسات الاقتصادية التي تتبناها بلادهم. فالمعاناة من الانهيار الاقتصادي الحالي، الذي تسببت فيه قرارات غير مسؤولة اتخذتها حفنة قليلة من القائمين على الشركات والبنوك العملاقة وكبار رجال المال والأعمال، طالت الملايين من الأميركيين.
فقد ارتفع معدل البطالة ليشمل 25 مليون أميركي على الأقل، بينما صار ملايين آخرون مشردين في الشوارع، بعد أن صودرت منازلهم التي عجزوا عن سداد قروض شرائها. وهي القروض التي قامت البنوك بتقديمها لهم وفق معايير فاسدة، أقرب إلى التحايل والاحتيال منها إلى التعاملات البنكية المتعارف عليها. وكل ذلك كان نتيجة مباشرة لتحرير تلك المؤسسات من أي قيود أو معايير حكومية، بفضل سياسات دشنها ريغان واستمرت في عهد بوش الأب والابن، بل وفي عهد كلينتون الديمقراطى. لكن بدلا من محاسبة أولئك المتسببين في تلك الكارثة الاقتصادية، عمدت الحكومة في عهدي بوش الابن وأوباما، لإنقاذ تلك المؤسسات العملاقة من الانهيار، عبر سيل من الأموال العامة. وهو ما اقترن في عهد بوش بالإصرار مع خفض ضريبى هائل لتلك الشريحة العليا نفسها، مع اتباع منهج "تقشفي" يخفض الإنفاق الحكومي، خصوصا على البرامج والخدمات الاجتماعية، في خضم أزمة اقتصادية.
لكن الوضع لم يتحسن كثيرا في عهد أوباما، فهو انساق وراء الجمهوريين فأعطى الأولوية لسد عجز الموازنة. ورغم سعيه لإنعاش الاقتصاد عبر بعض الإنفاق الحكومي، فإن أوباما أصر على تجنب الاقتراب من مصالح أولئك الذين خربوا الاقتصاد الأميركي، والذين لا يمثلون سوى 1% من الأميركيين. ومن هنا، رفعت احتجاجات نيويورك شعار "نحن 99%"، أي إنهم يعبرون عن باقي الأميركيين الذين يعانون من تلك السياسات.
لكن الإعلام الأميركي حين اضطر اضطرارا لتغطية الاحتجاجات، كما سبقت الإشارة، اختار أن تكون تلك التغطية بالغة السلبية. فنيويورك تايمز على سبيل المثال، سكتت دهرا ثم حين نطقت نشرت تحقيقا سخر من الاحتجاجات ومن المحتجين، متجاهلة أسباب الاحتجاج. وهو المنطق نفسه الذي حذت حذوه أغلبية القنوات التلفزيونية والصحف واسعة الانتشار. أكثر من ذلك، فقد عادى الكثير من السياسيين الجمهوريين، بل والديمقراطيين، تلك الحركة من يومها الأول. وإذا كان مفهوما أن يأخذ حزب اليمين (الحزب الجمهوري) هذا الموقف، فإن موقف رموز الحزب الديمقراطي يلقي الضوء على حقيقة مهمة، وهي أن الحزب صار مرتبطا بالمصالح نفسها، بل تخشى أغلبية تياراته - باستثناء أقصى يسار الحزب - من الحركات الاجتماعية كما يخشاها الجمهوريون.
غير أن أهم الانتقادات التي وجهها الإعلام الأميركي للحركة، هو أنها لم ترفع مطلبا محددا. وهو ما اعتبره المدافعون عن الحركة، عجزا فاضحا من الإعلام الأميركي عن فهم الطبيعة المركبة لما يحتجون عليه. فقبل النزول للشارع، جرى داخل الحركة نقاش انتهى بالاتفاق على تجنب إطلاق مطالب محددة قبل أن يقوى عود الحركة. وكان تقدير الحركة أن مؤسسات الحكم، التي هي نفسها أسيرة المؤسسات المالية الكبرى، يستحيل أن تستجيب لأي مطالب إلا إذا صارت الحركة من القوة بحيث تفرض مطالبها فرضا.
وللأمانة، لاتزال الحركة ضعيفة، لكن اتحادات العمال والنقابات راحت في الأيام القليلة الماضية تعلن الواحدة بعد الأخرى دعمها للحركة وانضمامها لها، وهو ما يفتح الحركة على كل الاحتمالات، فهي قد تتحول مع الوقت إلى حركة قوية بالفعل، تغير وجه الحياة في أميركا، أو قد ينفرط عقدها وتتحول إلى احتجاجات صغيرة غير مؤثرة هنا وهناك.
لكن المؤكد أن هناك شيئا يتشكل في أميركا، أو كما قال المخرج اليساري المعروف مايكل موور إن "شيئا ما قد بدأ" تتحتم متابعته، رغم التعتيم الإعلامي المتعمد حوله.