لن تكون المعركة الكبرى في واشنطن خلال الأشهر المقبلة، وهي ربما المعركة الحاسمة في الانتخابات الرئاسية التالية، حول التخفيضات المقترحة لبرنامج "ميدي كير"، حيث يتفق الرئيس الأميركي باراك أوباما مع الجمهوريين على أن بعض التخفيضات قد يكون ضروريا. ولن تكون كذلك حول برنامج الوظائف الذي اقترحه الرئيس، فقد أشار الجمهوريون إلى أنهم قد يدعمون بعض عناصره.

إن المعركة الكبرى ستكون حول ما إذا كان يتعين على الأثرياء دفع المزيد من الضرائب. هذه هي النقطة التي اختلف عندها الرئيس الأميركي وجمهوريو الكونغرس. فالرئيس أوباما يتعهد باستخدام حق النقض ضد أي خطة ديون تتضمن إلغاء برنامجي "ميدي كير" و"ميديك إيد"، ولكنه في الوقت ذاته لا يفرض المزيد من الضرائب على الأثرياء، بينما يتعهد الجمهوريون في الكونغرس بمعارضة أي زيادات ضريبية على الأثرياء، وهذه معركة جيدة. يقترح الرئيس فرض ضرائب جديدة على الأثرياء، بما في ذلك ضريبة استثنائية جديدة تلزم أصحاب الملايين بدفع ما لا يقل عن القيمة المفروضة على دافعي الضرائب العاديين، وسد بعض الثغرات.

وإلغاء الخصومات التي تصب لصالح الذين يجنون أكثر من 250 ألف دولار سنوياً، وإلغاء نصيب أصحاب الدخول العالية من التخفيضات الضريبية، التي فرضها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش. ويتهم الجمهوريون الرئيس الأميركي بالتحريض على "حرب طبقية"، ولكن توقع أن يقوم مواطنو أميركا الأفضل حالا، بدفع نصيبهم العادل من الضرائب في سبيل تخفيض الديون الأميركية طويلة الأجل، لا يعد حرباً. ففي نهاية المطاف، يحصل أغنى 1% من الشعب الأميركي، على أكثر من 20% من إجمالي الدخل القومي. وآخر مرة حصلت فيها الطبقة الغنية في أميركا على حصة كبيرة كهذه، كانت في أواخر عشرينات القرن الماضي.

إن عدم التوازن هذا يضر بالاقتصاد، من خلال حرمان الطبقة الوسطى الواسعة من القوة الشرائية التي تحتاجها للحفاظ على دوران عجلة الاقتصاد، إلا إذا غرقت في الديون أكثر من أي وقت مضى. ولكننا نعرف أن تكديس الديون لا يمكن أن يدوم، فقد انتهى عام 1929، عندما انفجرت فقاعة من الديون، مسببة غرق البلاد في الكساد الكبير. وقد انتهى بطريقة مماثلة عام 2008، عندما غرقت أميركا في انكماش اقتصادي لا يزال مستمراً بالنسبة لعدد كبير منا. وقد وصلت معدلات الضرائب التي يدفعها أغنى أغنياء أميركا، إلى أقل قيم عليا لها منذ نصف قرن.

وعلى امتداد أكثر من 30 عاماً، منذ الحرب العالمية الثانية حتى عام 1981، لم يحدث أن انخفض المعدل الأعلى لهامش الضريبة عن 70%، حيث كان في عهد الرئيس الأسبق دوايت ايزنهاور 91%. وحتى بعد الخصم والائتمان، كان الأثرياء الأميركيون يدفعون ضرائب بمعدل أعلى بكثير من المعدلات التي فرضت عليهم منذ ذلك الحين. ويبلغ المعدل الأعلى الحالي 35%، وهو لا ينطبق إلا على أصحاب الدخول التي تزيد على 379 ألف دولار. وفي الحقيقة، فإن الغالبية من أغنى أغنياء أميركا، يدفعون معدلاً أقل من ذلك بكثير.

وفي العام الماضي، وفقاً لدائرة الإيرادات الداخلية، لم يدفع أغنى 400 أميركي سوى 17%. وذلك لأن نسبة كبيرة من دخولهم، 15% الآن، تصنف على أنها مكاسب رأسمالية، مما يؤدي إلى تكوين ثغرة كبيرة، بما يكفي لأن يقود الأثرياء سيارات "فيراري" الخاصة بهم خلالها (وللأسف، فإن الرئيس لا يقترح رفع ضريبة مكاسب رأس المال).

وأي شخص يقول إن الاقتصاد الأميركي يتدهور عندما يدفع الأغنياء ضرائب أعلى، لا يعرف شيئاً عن التاريخ، إذ إننا شهدنا نمواً خلال العقود الثلاثة الأولى التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، أسرع بكثير مما نشهده منذ ذلك الحين. والادعاء القائل بأن أصحاب أنشطة الأعمال الصغيرة، الذين يساهمون في إيجاد أكبر عدد من فرص العمل، سيتوقفون عن فعل ذلك في حال ارتفعت ضرائبهم، هو ادعاء وهمي أيضاً، إذ إن 1% فقط من أصحاب أنشطة الأعمال الصغيرة، يكسبون ما يكفي ليصبحوا ممن تنطبق عليهم ضريبة المعدل الأعلى، والتي تفرض فقط على ذلك الجزء من دخولهم الذي يتجاوز 379 ألف دولار.

أما السياسات الاقتصادية الرامية إلى انسياب الأموال من الأغنياء إلى الفقراء، فهي مزحة قاسية. فقد عمدنا إلى تخفيض الضرائب المفروضة على الأغنياء في عهد كل من الرئيسين السابقين رونالد ريغان وجورج بوش، ولكن لم نكسب سوى القليل من الأموال أو لا شيء على الإطلاق. فمنذ عام 1981، لم تحرز أجور معظم العاملين أي تقدم، مما أدى إلى حدوث تضخم.

وفي حال لم يدفع الأغنياء حصتهم العادلة من الضرائب، فإن سائر الأميركيين سيتحملون المزيد من الأعباء. وستأتي تلك الأعباء إما في هيئة ضرائب أعلى تفرض علينا، أو تخفيضات تفرض على الأمور التي نعتمد عليها، بما في ذلك الرعاية الصحية والتعليم والبنية التحتية والدفاع الوطني.

وإذا كان هناك من أعلن حرباً طبقية، فإنهم الأشخاص الذين يشغلون أعلى الدرجات في الشركات الكبرى وفي وول ستريت، والذين يشكلون جزءا كبيرا من أغنى أغنياء أميركا، سواء بقصد أو دون قصد، حيث عمد أولئك الأشخاص إلى خوض معركة ضد العاملين المتوسطين. إن النسبة بين أرباح الشركات والأجور، هي أعلى اليوم مما كانت عليه قبل الكساد الكبير. وحتى مع ارتفاع الرواتب والامتيازات في الأجنحة التنفيذية، يستمر متوسط الأجور في الانخفاض، وفرص العمل في التناقص.

ووفقاً لتحليل جديد لبيانات التعداد أجراه مركز دراسات سوق العمل التابع لجامعة نورث إيسترن، فقد وصلت نسبة العائلات الأميركية ذات الأطفال التي تعيش في ظل الفقر، إلى أكثر من عائلة واحدة من أصل كل ثلاث عائلات في العام الماضي، وهو أعلى مستوى على الإطلاق. وفي الوقت ذاته، جنى رئيس شركة ميرك أرباحاً بقيمة 17,9 مليون دولار. وفي وقت سابق من هذا العام، أعلنت شركة ميرك اعتزامها تسريح 13 ألف عامل. أما الرئيس التنفيذي لـ"بنك أوف أميركا" فقد جمع 10 ملايين دولار، وأعلن البنك مؤخراً عن تسريح 30 ألف عامل. ثمة أمر غير صحيح في هذه الصورة.

قد أكون من ذوي العقليات القديمة، ولكن يبدو لي أن الأشخاص القابعين في القمة، والذين لا يشبعون أبداً، ينبغي عليهم أن يقدموا تضحيات أكبر بعض الشيء. وبهذه الطريقة، سيتمكن سائر الأميركيين، الذين يخوضون الآن نضالاً أقوى من ذلك الذي خاضه الأميركيون منذ ثلاثينات القرن الماضي، من تقديم تضحيات أقل نوعاً ما.