مهما تعددت القضايا المجتمعية وتشابكت، ومهما تعاظمت التحديات التي تواجه صاحب القرار، ومهما كانت قدرات الدولة الاقتصادية، سيظل تطوير التعليم هو الشغل الشاغل للمخلصين من أبناء الوطن، لأنه العامل الرئيس في تشكيل حياة الأمم، ولأن تقدم الأمم مرتبط به صعودا وهبوطا.
لذا فإن حديث صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد مع أعضاء الهيئة التدريسية، جاء متسقا ومتناغما مع تلك الرؤية، حيث أكد أن الجامعات والكليات والمعاهد العليا، هي مصنع الرجال ولابد من تطويرها والتركيز على الجيل الصاعد من الشباب المقبلين على الدراسة الجامعية، وغرس الولاء لوطنهم والاعتزاز بهويتهم الوطنية، مضيفا أن شعبا لا ينتج لا مستقبل له.
وخلال اللقاء أشار إلى لبنة التعليم العالي، التي أرساها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بتأسيسه للجامعات منذ السنوات الأولى لقيام الدولة. وها نحن نكمل مسيرة التعليم والبناء وتقنيته، وبناء الإنسان القادر على العطاء والإبداع والتفكير العلمي والمنطقي. ودعا شباب وبنات الوطن إلى وضع رفعة الوطن وإعلاء شأنه على مختلف الصعد، نصب أعينهم، ولن يتحقق هذا دون العلم والإبداع والتميز في كل شيء.
وأود أن أسجل بداية، أن قيادة تضع العلم قائدا لمسيرتها وأساسا لاستمرار نهضتها، هي قيادة قرأت التاريخ واستوعبت دروسه وتُبصر حقيقة العصر وطبيعة المرحلة. فإذا كانت البشرية مرت بمراحل تاريخية كانت فيها الثروات الطبيعية هي أساس نهضة الأمم، ثم القوة العسكرية وجبروتها أساسا لبسط السيطرة وفرض السيادة في مرحلة تالية، إلا أن طبيعة عصرنا تجعل العلم والمعرفة وأصحاب العقول النابهة والكفاءات المتميزة، هي ميدان المنافسة الحقيقي.
كما أن أمة تكرم علماءها هي أمة لن تهون أبدا. فضلا عن أن هذه اللقاءات تمثل القوة الدافعة لاستنفار الطاقات، وبذل الجهد والعرق، وتجديد العهد على أن نجعل من رفعة شأن الوطن قيمة لا تعلوها قيمة.
إن أمة لن تستطيع مواجهة التطورات العالمية، لن يظل لها وجود في ظل منافسة لا ترحم في عصر العولمة، دون أن تكون قادرة على المنافسة، ليس في محيطها الإقليمي فحسب بل على المستوى الدولي، دون تجويد مخرجاتها التعليمية. ولا شك أن المكانة التي احتلتها جامعاتنا على سلم الترتيب العالمي، والتي تقدمت بها على جامعات عريقة، لم تأت من فراغ، بل نتاجا لجهود مستمرة وضع غراسها الراحل الكريم الشيخ زايد بن سلطان منذ بداية اتحاد الخير، وتعهدتها بالرعاية والنماء أياد أحبت وطنها بصدق وتجرد.
كما أن ذلك من الدلائل على أننا نسير في الطريق الصحيح الذي جعل من جامعاتنا، سواء الحكومية أو الخاصة، محط أنظار طلاب العلم، ليس على مستوى العالم العربي فحسب، ولكن في محيطها الإقليمي بأرقام وإحصاءات لا تحتمل التأويل أو الاجتهاد.
والطريق ما زال طويلا والطموحات كبيرة، والشاهد ما أكدت عليه القيادة من أن طريق العلم لا نهاية له ولا اكتفاء منه، فطالب العلم نهم لا يشبع، بل يطلب دائما المزيد. وهذا ما يؤكد أهمية تعظيم دور البحث العلمي، وتخريج الباحثين القادرين على الربط بين ما يتم في المعامل بما يواجه الناس خارجها، دون أن ينعزلوا عن دنيا الناس.
فقضايا البحث العلمي في أي مجتمع، هي العنوان العريض لما يشغل تفكير أبنائه، لذا فهناك رابط لا يجب أن توهن عراه، بين قضايا المجتمع وبين طبيعة البحث العلمي وتوجهاته، وألا يترك للاجتهاد والمبادرات الفردية، بل يتم من خلال عمل مؤسسي تحكمه خطة طويلة الأمد.
كما أنني أطالب بأن لا يترك للحكومة وحدها عبء تطوير التعليم العالي، وكأن باقي مؤسسات المجتمع غير معنية بذلك، لذا على المؤسسات الإنتاجية بمختلف تخصصاتها وميادين عملها، أن تخصص جزءا من ميزانياتها وما تحققه من أرباح، للإنفاق والاستثمار في مجال التعليم، سواء من خلال تخصيص منح علمية للمتميزين من العاملين فيها، أو المساهمة في دعم البنية التحتية لمراكز البحوث والمعامل والمختبرات وتأسيس المكتبات أو قواعد البيانات، وتسهيل الدخول إليها والاستفادة منها.
وهي بذلك لا تتفضل على المجتمع، لكنها تقوم بدورها في رد الجميل إلى المجتمع المحيط بها، كما أنها تؤكد على أنها كيان صالح يستحق ارتباط أبناء المجتمع به، وما تقدمه من خدمات يرسم صورة تلقى القبول المجتمعي الذي يعينها على تخطي العقبات حال الأزمات، فضلا عن أن الاستثمار في هذا الجانب يعود عليها بفائدة مباشرة، لأن هذه الثروة المتعلمة المدربة سوف تكون إضافة نوعية لسوق عمل يعاني من خلل نسعى منذ سنوات لمعالجته.
إن مقولة "الجامعات هي مصانع الرجال"، هي إشارة إلى الدور المحوري الذي تقوم به الجامعة في تخريج الكوادر الراشدة، المتمتعة بمهارات وقدرات معرفية، إضافة إلى سمات شخصية تعينها على تحديد أولوياتها، وإدراك الدور الوطني الذي ينتظرها في خدمة وطنها، في مرحلة دقيقة من تاريخه.
فنحن في زحمة انشغالنا، بأن تكون المناهج وفقا للاتجاهات والمدارس العلمية المعاصرة، وكذلك تحديث المعامل والمختبرات، قد ننسى أن لنا دورا تربويا في بناء الإنسان، في مرحلة هي الأهم في تكوين شخصية الفرد وتوجيهه بقية مشوار حياته. فكم من النابهين والعلماء والمفكرين وأصحاب المواهب، كانت بدايتهم الحقيقية من داخل أسوار الجامعة، ثم خرجت لتملأ الدنيا طولا وعرضا.
وفي هذا فإن قضية غرس الهوية والولاء للوطن والاعتزاز به، من أهم الأدوار التي تضطلع بها الجامعات، لأن الاعتزاز بالوطن والالتصاق بترابه هو من أكبر العوامل والدوافع للإنجاز. وليس هذا الكلام مجرد دفقات من الحماسة الوطنية وفقط، لكنه التاريخ الذي جعل أحد العلماء الفرنسيين يرفض الحصول على جائزة من الذين احتلوا دولته إبان الحرب العالمية الثانية، فقيل له إنه ليس للعلم وطن، فأجاب لكن للعالِم وطناً.
إن اللقاءات التي تجمع بين القيادة السياسية وأعضاء هيئة التدريس، وهي متعددة، فضلا عن جانبها المعنوي والذي يعني الكثير لأبناء هذا المهنة السامية، إلا أنها تتخطى ذلك لتضع منهاج عمل لمرحلة مقبلة، استطاعت القيادة أن تنظر من خلالها إلى الصورة العامة بمنظور أكثر اتساعا وبرؤية شمولية، ثم تأتي الخطوة التالية للحديث عن التفاصيل التي تجعل منها لقاءات.. لها دلالات.