إعلاميون، اجتماعيون، اقتصاديون وأساتذة جامعات، وغيرهم كثير، ينادون بأعلى أصواتهم ويحذرون ليل نهار من تناقص عدد المواطنين.

ومع أن المواطنين مدركين تماما لحجم الخطورة، ومع أننا رضينا بالأمر الواقع الذي يقول بأنه ليس بيدنا اتخاذ القرار، لكننا من جهة أخرى لن نسكت على أن يقتل المواطن نفسه بيده ليرضي طمع الشركات الكبرى.

إن عدد المواطنين الذي يقتلون سنويا في ازدياد مستمر. وآخر إحصائية تشير إلى مقتل أكثر من 211 مواطنا في حوادث مرورية مختلفة عام 2010، نصفهم بين 18 و35 سنة.

هذه الأرقام تعتبر كارثة في دولة تطبق أفضل المعايير المرورية. وتعتبر كارثة أكبر في دولة لا تمثل نسبة المواطنين فيها سوى 7 بالمائة. وبدلاً من الحفاظ على أرواحهم، نراهم يقدمونها ضحية رخيصة لبعض الأجهزة التي تحولت إلى أدوات قتل من الدرجة الأولى.

تحولت المركبة من وسيلة نقل عادية إلى وسيلة سباق مع الموت. وتحول الهاتف المتحرك من وسيلة اتصال ضرورية إلى وسيلة تسلية ولعب وضحك ودردشة لدى شباب ما زالوا في مقتبل العمر. وتحول الحاسوب من جهاز بحث ودراسة وتعلم إلى جهاز للغزل والتغزل والانجراف إلى المحرمات.

إن استهتار الشباب بحياتهم لا يمكن السكوت عنه. نحن نبحث في شوارعنا ومتاجرنا ومراكزنا وجامعاتنا عن الوجه المواطن كمن يبحث عن إبرة في كومة قش. غير أن هذه الحقيقة فيما يبدو غائبة عن أذهان شبابنا ومسؤولينا. وغائب عنهم مدى أهميتهم في بناء وطنهم في زمن لا يعرف الرحمة بل ولا يدرك مجهول المستقبل.

ماذا يعني أن يقتني شاب مواطن في مقتبل عمره أفخم جهاز بلاك بيري لم يسوق بعد حتى في بلده الذي اخترعه وصنعه؟ ما هي تلك الحاجة الملحة التي تجعل من اقتنائه له أمرا لا بد منه؟ ما هي تلك المكالمات الهامة التي يجريها شبابنا في كل يوم على مدى ساعات طويلة تمتد من البيت إلى السيارة إلى المقهى إلى زيارة أهله؟

 ما هي تلك الصفقات الضخمة التي يبرمها من خلاله فتحوله إلى ضحية الديون والفوضى وضياع الوقت وأخيرا ضياع العمر بضغطة زر؟ يا ترى ما سر تهافت شبابنا الذي لم يشتد عوده على الركض خلف شراء آخر صرعة هاتف متحرك، مع أن جميع الهواتف المتحركة تؤدي ذات الغرض؟ ترى ما أهمية أي مكالمة في العالم وأية صفقة مالية في الحياة حين لا يفصلها عن الموت سوى خطوة واحدة فقط؟

وما ينطبق على الهاتف المحمول ينطبق على المركبة والساعة والنظارة وماركة الحذاء.

ماذا تمثل سيارة بقيمة شراء مسكن لشباب لم يتجاوزوا العشرين والثلاثين من أعمارهم وهم ما زالوا إما طلبة جامعيين أو في بداية مشوارهم الوظيفي؟ يا ترى ما هي تلك الإنجازات العظيمة التي حققها شبابنا حتى يحق لهم التباهي بسياراتهم أمام المارة وفي مراكز التسوق؟ أو يتسابقون بها مع الموت الذي إن لم يقع بعد فسوف يقع حتما؟

بأي وجه نقابل العالم ونقابل الله حين نقارن بين مقتل شبابنا وهم في مقتبل العمر نتيجة دردشة تافهة على البلاك بيري لا طعم لها سوى الضحك على أذقانهم وبين شباب قتلوا شهداء في الدفاع عن حرياتهم وعن أوطانهم وعن مقدساتهم وعن مبادئهم؟

يا ترى كيف ينظر شبابنا إلى أنفسهم وعقولهم ومستقبلهم؟ يا ترى أين أولياء أمورهم؟ كيف تختفي من بين أيدينا طاقات بشرية مواطنة بهذا الحجم في كل سنة دون أن نتحرك بجدية؟ أين إعلامنا؟ أين مسؤولونا؟ أين، أين، أين؟ هل غلبت المادة على حياة المواطن الإماراتي حتى أصبح يتاجر بحياة أبناء وطنه دون رحمة أو خوف أو رادع؟ هل وصل الغرور بنعمة الله علينا إلى حد أعمى قلوبنا دون مخافة أن ينتقم الله منا بين ليلة وضحاها كما حدث لغيرنا من شعوب الأرض؟

على المسؤولين التحرك بأسرع من الموت. فهذه الأرقام مخيفة. وإن لم تتخذ الإجراءات الصارمة للحد من سباق الموت فسوف نصبح جميعا ضحايا غريزة الطمع وثقافة التفاهة.

علينا أن نختار بين خسارة الوطن أو خسارة إيرادات الشركات الكبرى. فليس هناك وطن دون مواطن. نحن نكاد نعيش في شبه وطن. نحن أصبحنا غرباء في أوطاننا. وهذا يدعونا إلى التفكير ألف مرة في كيفية التمسك بأنيابنا بأطفالنا وشبابنا وفلذات أكبادنا. المسألة ليست سباقاً مع حضارات الغرب. فنحن نعيش على منتجاتهم الاستهلاكية. المسألة في كيفية استخدام وتقنين استخدام هذه المنتجات المتطورة.

ماذا سيحدث لشبابنا لو قطعت عنهم خدمة الدردشة على الهواتف النقالة؟ لن ينتهي العالم، بل سوف نحافظ على مائتي روح في العام الواحد. أو يتم منع بيعها إلا لرجال الأعمال المهتمين فقط؟ علينا أن نختار بين الخوف على انخفاض إيرادات شركات الاتصالات التي تربح المليارات من وراء سذاجتنا، وبين انخفاض عدد أبنائنا.

ماذا سيحدث لو أجبرنا شركات المركبات بضبط السرعات بحيث لا تتعدى المائة والعشرين كيلومترا في الساعة المعمول بها دوليا؟ ماذا سيحدث لو أننا قمنا بمصادرة كل مركبة تجاوزت السرعة القانونية ثم بيعها في المزاد العلني أمام ناظري مالكها؟

إن مخالفات المائة درهم هذه لم ولن تردع قائدي المركبات عن الاستهتار والتسبب في الموت وضرب قوانين المرور بعرض الحائط، ماذا سيحدث لو أننا رفعنا السن القانونية للحصول على رخصة القيادة؟ ماذا يعني هذا الانتشار المتزايد لمدارس تعليم السيارات لكل من هب ودب؟ هل كل من وضع قدميه على دولتنا يحق له أن يزيد من نسبة قتل المواطنين؟

في نظري وفي نظر الكثيرين فإن المتسبب في القتل في حادث مروري نتيجة الإهمال أو عدم الانتباه أو عدم الالتزام بقوانين السير لا يختلف عن أي قاتل آخر متعمد. ويجب أن يطبق عليه نفس أحكام القتل العمد.

ثم هناك سؤال يطرح نفسه، أين مسؤولية الآباء عن الأبناء؟ وعندما نقول آباء فهذا لا يعني الأب دون الأم؟ ما هو دورهم في تثقيف أبنائهم والمحافظة على حياتهم؟ كيف سمح الأب والأم لابنهما الذي لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره من ركوب الدراجة النارية بعد منتصف الليل للتسابق في المناطق الآهلة بالسكان؟

لماذا لا تنظم المدارس رحلات إجبارية إلى مستشفيات الدولة للاطلاع على آخر صرعات التشوهات والعاهات والإصابات القاتلة للشباب المواطنين الناتجة عن السرعة أو عن استخدام البلاك بيري أثناء القيادة؟

هل ينتظر مسؤولونا مقتل 300 شاب مواطن آخر، للعام القادم، لإبداء الحزن والأسف في وسائل الإعلام؟ ناهيك عن العاهات الدائمة المنتشرة في جميع أنحاء الدولة بسبب سوء القيادة أو عدم الانتباه؟

إنها مسؤولية الجميع... وكلنا الجميع..