دُعيت لندوة ثقافية عقدت في القاهرة منذ أيام، للاحتفال بذكرى شاعرين عظيمين: أحدهما هندي بنغالي هو رابندرانات طـاغور، وهو بلا منازع أعظم شعراء الهند في العصر الحديث، والآخر عربي مصري هو أحمد شوقي الملقب بأمير الشعراء.

وقد لبيت الدعوة مسرورا، لأني أحب شعر طاغور حبا جما، منذ قرأت له، قبل أن أبلغ العشرين من عمري، بل وأكاد أكون قد تعلمت الإنجليزية على يديه، إذ كان من أول ما قرأت بالانجليزية كتاب صغير له اسمه "البستاني"، (The Gardner)، يحتوي على مقطوعات شعرية قصيرة بالغة الرقة والعذوبة، وتحتوي كل منها على نظرة فلسفية للحياة والعالم، بالغة الجاذبية وما زلت كلما عدت إلى القراءة في هذا الكتاب أو في كتب أخرى لطـاغور، أتأكد من أني كنت على صواب عندما أحببته في تلك السن المبكرة.

أما أحمد شوقي، فقد عرفت شعره أولا عن طريق ما غنى له محمد عبد الوهاب وأم كلثوم، فقد كانت قصائده الدينية من أجمل ما غنت أم كلثوم كلاما ولحنا، وقصائده في الحب والوطنية من أجمل ما غنى عبد الوهاب. كان تعّرفي على هذه القصائد في سن مبكرة أيضا.

ولكني أيقنت من استحقاقه للقب أمير الشعراء على كبر، عندما اكتشفت كيف استطاع هذا الرجل أن يصيغ المعاني الحديثة في قوالب الشعر العربي التقليدي، وبلغة لا تقل جمالا عن أجمل أمثلة هذا الشعر، فلا يتنكر لقضايا العصر الذي يعيش فيه، ولا للقواعد التي أرساها الشعراء العرب في عصر مختلف تماما.

ذهبت إلى الندوة مسلحا بهذا التقدير العميق للشاعرين العظيمين. وكانت مناسبة عقدها تتعلق بطاغور أكثر مما تتعلق بشوقي. ففي هذا العام (2011) تحتفل الهند وبنغلاديش بمرور مئة وخمسين عاما على ميلاد طـاغور. والاحتفالات مستمرة طوال العام، وتنشط لها سفارات الهند ومراكزها الثقافية في بلاد كثيرة خارجها، فنظم المركز الثقافي الهندي في مصر، بالتعاون مع وزارة الثقافة المصرية، هذه الندوة في القاهرة، كجزء من الاحتفال بذكرى طاغور.

ولكنهما رأيا من المناسب أن يقترن الاحتفال بطاغور، بذكرى أحمد شوقي أيضا، ليس فقط باعتبار أن المكانة التي يحتلها شوقي لدى العرب تشبه المكانة التي يحتلها طاغور في الهند، ولكن أيضا لأن طاغور التقى بأحمد شوقي في القاهرة في العشرينات من القرن الماضي.

لم أجد من المناسب، عندما قبلت الاشتراك بالكلام في هذه الندوة، أن أقارن بين شعر الرجلين، من الناحية الأدبية والفنية، فقد كان في الندوة من المتخصصين في الأدب والشعر، من الهنود والمصريين، من يستطيع القيام بهذه المهمة أفضل منى بكثير. ولكن خطر لي أن أذكّر المحتفلين بأمر مهم ومشترك في حياة الرجلين، لا يتعلق بالشعر، ولكنه يتعلق بالعصر الذي عاشا فيه.

إن أحمد شوقي أصغر من طاغور بسبعة أعوام، ومات قبل طاغور بتسعة أعوام، ولكن كلا منهما عاصر الثلث الأخير من القرن التاسع عشر والثلث الأول من القرن العشرين، ومن ثم فقد عاصر كلاهما الموجة الاستعمارية العالية التي غمرت هذه الفترة من القرنين، وعاصر كلاهما، بوعي كامل، الحرب العالمية الأولى (1914 1918)، إذ كان طاغور وقتها في الخمسينات من عمره، وأحمد شوقي يقترب من الخمسين.

ولكن الأكثر أهمية أن الثمانين عاما التي عاشها طاغور، والتي شملت الـ 64 عاما التي عاشها شوقي، كانت من أخصب فترات الحضارة الأوروبية، وأكثرها ازدهارا (إن لم تكن أخصبها على الإطلاق)، سواء في التقدم العلمي أو التكنولوجي، أو ازدهار الأدب والفنون.

أو تقدم الفكر الفلسفي والاجتماعي. متى تذكرنا ذلك وتذكرنا عمق الأثر الذي كان للحضارة الغربية في ذلك العصر، على الهند والعالم العربي على السواء، ربما لا يبدو غريبا أن يكون هذا هو العصر الذي تشهد فيه الهند ظهور أكبر عبقرية شعرية (ربما في تاريخها كله)، والذي يشهد العرب فيه تجديدا رائعا لأخصب إنتاجهم الشعري.

في مجال التقدم العلمي والتكنولوجي، يكفي أن نتذكر أن هذه الثمانين عاما التي عاشها طـاغور، هي التي شهدت اختراع المصباح الكهربائي والفونوغراف والراديو، والآلة الفوتوغرافية والسينما، والسيارة الخاصة والطائرة.. الخ.

وكلها أشياء لا نستطيع تصور الحياة الحديثة من دونها. وهي أيضا الفترة التي شهدت ظهور الداروينية (ظهر كتاب داروين الأساسي قبل ميلاد طاغور بعامين) ومدرسة فـرويـد في التحليل النفسي، وأهم الكتابات الماركسية، ومذهب الاشتراكية الديمقراطية، وظهور وازدهار المدرسة الكلاسيكية الحديثة في الاقتصاد، ثم الثورة عليها على يد المدرسة الكنيزية.

وغير ذلك مما لا نستطيع الآن أن نتصور العلوم الاجتماعية من دونه. هذه هي أيضا الفترة التي شهدت ظهور أهم أعمال عمالقة الأدب الروسي والانجليزي والفرنسي، وتحول الفكر الفلسفي إلى المذاهب الوضعية التي تدعو إلى قيام الفلسفة بخدمة العلم وألا تنفصل عنه... الخ.

كانت فترة مدهشة في خصوبتها في مختلف جوانب الفكر الإنساني، فلماذا لا يظهر أيضا طاغور في الهند وأحمد شوقي في مصر؟

ولكنه لم يكن فقط عصرا مدهشا في خصوبته، بل وأيضا في تفاؤله، وقد أقول أيضا في رومانسيته. ساد شعور عام بإمكانية أن يعم السلام العالم بعد تجربة الحرب العالمية الأولى المريرة، وأن ينتهي عن قريب عصر الاستعمار فتحصل الأمم المقهورة على استقلالها، وأن يٌستخدم التقدم العلمي والتكنولوجي في تحقيق الرفاهية للجميع.

وأن يتحقق نوع من الاشتراكية يحقق العدالة الاجتماعية. إن هذا التفاؤل وهذه الرومانسية يجريان تحت سطح أشعار طـاغور وشوقي، رغم مسحة الحزن التي قد تبدو من حين لآخر على ما آل إليه حال الهند والعرب والمسلمين. كان كل منهما يعتقد أن أمته قادرة، رغم حاضرها البائس، على تحقيق ما تستحق من نهضة، فتسترد حريتها وتعيد المجد لتراثها الثقافي.

لقد عبّر عن هذا التفاؤل في العالم العربي، ذلك الجيل من الكتّاب والمفكرين الذين عرفوا بجيل الرواد، ونشرت أهم أعمالهم في العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين، وكان أحمد شوقي واحدا منهم، كما عبّر عن هذا التفاؤل (وهل أقول الرومانسية أيضا؟) ظهور ونجاح حركة غاندي المطالبة باستقلال الهند.

ولكني لا أبتعد عن الحقيقة إذا قلت إن كل هؤلاء كان لا بد أن يصابوا بخيبة أمل شديدة إذا رأوا حال العالم اليوم. لم يعد العالم أكثر سلاما مما كان في عصر طاغور وشوقي، ولا أصبحت الدول الصغيرة أكثر استقلالا إلا في الظاهر، وما زال ثلث سكان العالم على الأقل يعانون من الجوع، رغم كل ما أُحرز من تقدم في العلم والتكنولوجيا، وأصبح توزيع الثروة والدخل أبعد عن المساواة مما كان عندما توفي طاغور وشوقي.

لا بد أن طاغور كان سيستولي عليه العجب من شيوع النهم الاستهلاكي، ومن استمرار الحاجة إلى توجيه كل هذه الموارد لإنتاج السلاح. ولا بد أن أحمد شوقي كان سيشعر بالاستياء الشديد لما حدث للغة العربية من تدهور، ومن استمرار تفرّق العالم العربي والإسلامي الذي كان يتمنى أن يرى توحّده.

 من الممكن تقديم تفسيرات متعددة للفشل في تحقيق هذه الآمال. هل هو حلول الحضارة الأميركية محل الحضارة الأوروبية؟ أم أن الحضارة الأميركية هي مجرد تعبير عن حضارة الجماهير الغفيرة ذات النهم الشديد لمزيد من الاستهلاك، والعاجزة عن السيطرة على الغرائز البدائية؟ أم أن التفسير هو حلول عصر العولمة الذي يقوي النزعة إلى التسطيح والتبسيط والتقليد، ويعطي الأولوية للأسرع والأقوى على حساب الأنبل والأعمق، مما كان يناضل من أجله ويحلم به طاغور في الهند، وأحمد شوقي في مصر؟!