اعتنيت مؤخرا بمتابعة ردود فعل أنصار إسرائيل في أميركا، إزاء لجوء السلطة الفلسطينية للأمم المتحدة لإعلان الدولة، فوجدت نفسي أمام ما هو جدير بالملاحظة والتأمل.
فأول ما تجده في مثل تلك المتابعة، هو أن أنصار إسرائيل في الولايات المتحدة يتوزعون على ثلاثة تيارات، تياران يرفضان الخطوة الفلسطينية وتيار مؤيد لها. وكل من هذه التيارات الثلاثة، يفعل ذلك من واقع حرصه على إسرائيل ولا شيء آخر.
أما التيار الأول من التيارين الرافضين للخطوة الفلسطينية وإعلان الدولة من خلال الأمم المتحدة، فموقفه يقوم على القلق مما قد يترتب مباشرة على الخطوة الفلسطينية. فنقل القضية الفلسطينية للأمم المتحدة، معناه انعتاق الفسطينيين من استفراد الأميركيين والإسرائيليين بهم، في مفاوضات لا نهائية استغرقت سنوات طويلة. وقد عبر الإسرائيليون والأميركيون عن ذلك المعنى بحديثهم عما أسموه بـ«الأحادية». فالرئيس أوباما قال إنه مع إنشاء الدولة الفلسطينية، ولكن ليس بقرارات أحادية..
هذا باعتبار أن مصادرة إسرائيل للأراضي مثلا، وبناء المستوطنات، وهدم بيوت الفلسطينيين، وبناء جدار الفصل العنصري، لم تكن «قرارات أحادية» تستوجب اعتراضا مماثلا من الولايات المتحدة! أما نتانياهو فقال إن الدولة لن تنشأ بقرار من الأمم المتحدة وإنما بالتفاوض، وكأن إسرائيل نفسها لم تنشأ بقرار من الأمم المتحدة! باختصار؛ الرفض مصدره أن الدولة الناشئة من خارج الثالوث إياه، لن تكون على المقاس الإسرائيلي.
لكن رفض الخطوة الفلسطينية، مصدره أيضا ما قد يترتب عليها من إمكانية لجوء فلسطين للمحكمة الجنائية الدولية، لملاحقة المسؤوليين الإسرائيليين ومحاكمتهم بسبب جرائم الحرب التي ارتكبوها.
الجدير بالملاحظة أن أغلب رموز هذا التيار، ألقوا بكل المسؤولية على نتانياهو وحكومته. فتوماس فريدمان، وهو من أكثر اليهود الأميركيين دعما لإسرائيل، كتب مقالا في «نيويورك تايمز» قال فيه إنه لأول مرة يشعر بقلق شديد على مستقبل إسرائيل، بفعل انهيار كل الأعمدة التي بني عليها أمنها. وهو حمل المسؤولية لنتانياهو، متهما سياساته بأنها المسؤولة عن عزلة إسرائيل، و«جرها لأميركا» في هذا الطريق. وقد اتهم فريدمان نتانياهو أيضا، بأنه يفضل عدم استعداء المتطرفين من أعضاء ائتلافه الحكومي، على حساب أمن إسرائيل. والمعنى نفسه عبرت عنه بالمناسبة صحيفة نيويورك تايمز في افتتاحيتها، التي بعد أن عارضت الخطوة الفلسطينية واعتبرتها «مدمرة»، حملت نتانياهو المسؤولية عما يجري.
والحقيقة أن هذا الموقف يحتاج لتعليق. فتحميل نتانياهو وحكومته المسؤولية، مغالطة كبرى تتجاهل تاريخ القضية الفلسطينية، بل وجوهرها؛ أي الاحتلال. فالاستيطان ظل مبدأ رئيسيا تبنته كل الحكومات الإسرائيلية أيا كان انتماؤها الحزبي، ولا تستثنى من ذلك حكومة نتانياهو. واعتبار نتانياهو وحده «المخطئ» وتبرئة كل من سبقوه من المسؤولين الإسرائيليين، فيهما استهانة بالعقول، وكأننا بلا ذاكرة. فهو منطق يزعم أن المشكلة ببساطة، هي أن المفاوضات توقفت ومن ثم يلزم استئنافها، لا أن هناك احتلالا، وأن المشكلة الحقيقية ليست في توقف المفاوضات، وإنما في تحولها إلى هدف في ذاتها، واستمرارها بلا نهاية لكسب الوقت حتى تنهب إسرائيل ما تبقى من الأراضي الفلسطينية.
لذلك، بعد أن يرفض هؤلاء الخطوة الفلسطينية ويوسعون نتانياهو انتقادا، فإنهم لا يقترحون حلا لانتشال إسرائيل من عزلتها، وأميركا من انهيار مصداقيتها، سوى الدعوة لاستئناف المفاوضات على أساس مقترح إسرائيلي «ظاهر الجدية»، الأمر الذي لا يعني سوى العودة لمفاوضات لا نهائية لكسب الوقت، فضلا عن أن تلك المفاوضات ستجري في ظل الاختلال الفادح نفسه في موازين القوى بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وفي وقت لا يوجد فيه ثمن تدفعه إسرائيل مقابل استمرار احتلالها.
أما التيار الثاني الرافض للخطوة الفلسطينية، فهو التيار الرافض من حيث المبدأ لإقامة دولة للفلسطينيين أصلا. وهو بلغ من الوقاحة أن أعلن على لسان أحد المحافظين الجدد، أن الفلسطينيين لا يستحقون دولة إذا كانوا «ليسوا سعداء بالمحادثات مع إسرائيل»!
لكن يوجد من بين أنصار إسرائيل، من يؤيد بوضوح إعلان الدولة الفلسطينية من خلال الأمم المتحدة. وهؤلاء يؤيدون تلك الخطوة، باعتبارها الفرصة الأخيرة التي يمكن من خلالها تنفيذ حل الدولتين. وإيمان هؤلاء بأهمية إقامة الدولة الفلسطينية في إطار حل الدولتين، ينبع من قلقهم العميق على مستقبل إسرائيل، وإيمانهم بأنها تدفع بنفسها نحو الهاوية، وتعرض نفسها لما يهدد وجودها ذاته. فهؤلاء لا يخشون شيئا، أكثر من خوفهم من أن يأتي اليوم الذي يفرض الواقع فيه حل الدولة الواحدة. وهؤلاء يعارضون بشدة بناء مزيد من المستوطنات، لأنهم يعرفون يقينا أن التوسع الاستيطاني الحالي والسرقة المستمرة للأرض الفلسطينية، معناهما عدم توفر أرض كافية يمكن إنشاء دولة فلسطينية حقيقية عليها، بما يفرض حل الدولة الواحدة، التي وفق الوضع السكاني، تعني نهاية دولة إسرائيل، لأن الأغلبية فيها ستكون فلسطينية.
لكن الجدير بالملاحظة هو أن هذا التيار، رغم أنه يبني موقفه على الحرص على بقاء إسرائيل، إلا أنه لم ينج من الانتقادات الشرسة التي وجهت له داخل الولايات المتحدة الأميركية، واشتملت على اتهامات فظة. فالمسألة لا تقتصر فقط على أن السياسة الخارجية الأميركية صارت رهينة في يد لوبي إسرائيل، وإنما نجح هذا اللوبي أيضا في أن يخلق مناخا يستحيل على الأميركيين أن يقولوا حتى ما يقوله الإسرائيليون أنفسهم، في انتقاد سياسات بلادهم. فبعض الإسرائيليين يطالبون اليوم بمقاطعة بلادهم للضغط عليها لإنهاء الاحتلال، بينما لا يجرؤ أميركي أن يقول هذا المعنى في الولايات المتحدة، حتى ولو كان يهوديا مناصرا لإسرائيل!