بالاستناد إلى الوثائق الصينية المتعلقة بأسباب احتلال اليابان للصين، حدد الثامن عشر من سبتمبر 1931، اليوم الذي فجرت فيه القوات اليابانية أجزاء من خط السكة الحديد الخاضع لسيطرتها بالقرب من مدينة شنيانغ. فاتهمت على الفور القوات الصينية بالتخريب، وقصفت ثكناتها العسكرية القريبة مساء اليوم نفسه، ثم بدأت غزواً واسع النطاق لشمال شرق الصين.

كانت اليابان قد أعدت جيدا للعملية العسكرية، وخلال أربعة أشهر احتلت قواتها مليونا ومائتين وثمانين كلم من الأراضي في شمال شرق الصين، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف ونصف مساحة اليابان. وذلك ضمن استراتيجية العسكرتاريا اليابانية لاحتلال دول آسيوية عدة، بسطت سيطرتها عليها حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد استدعى الغزو الياباني مقاومة صينية بدأت على الفور، واستمرت أربعة عشر عاما انتهت بتحرير الصين وسقوط اليابان تحت الاحتلال الأميركي، ومحاكمة قادتها العسكريين كمجرمي حرب من الدرجة الأولى.

اعتبر الثامن عشر من سبتمبر 1931 "يوم المهانة الوطنية" لدى الصينيين. ومع أن العلاقات الاقتصادية ممتازة بين الصين واليابان، ترافق الذكرى السنوية لهذا الحدث التاريخي، مظاهر غضب عارم وتظاهرات أمام المقرات الدبلوماسية اليابانية في الصين.

وتنشر وسائل الإعلام الصينية مقالات نارية تندد بالاحتلال الياباني، وتطالب حكومة اليابان بالاعتذار العلني للشعب الصيني. فقد تسبب الاحتلال في مآس بشرية، ومجازر دموية كبيرة، ومشكلات اقتصادية واجتماعية عانى منها الصينيون فقدان الأهل والأقارب. لكن الجرح الذي يحفر عميقا في ذاكرة الصين، يعود إلى المهانة الوطنية التي سببها احتلال بلد صغير كاليابان، لأمة عظيمة كالصين كانت تعتبر نفسها لقرون عدة مركز العالم. وبدأت المهانة حين فرضت عليها حرب الأفيون في القرن التاسع عشر، وتم تفكيكها وإخضاع أراضيها لدول أوروبية، ومنها دول صغيرة لم تكن بحجم مدينة صينية كبيرة.

تذكر "المهانة الوطنية" إذن، ليس موجها ضد اليابان فحسب، بل أيضا ضد ساسة صينيين لم يحموا وطنهم من تلك المهانة. لذلك توجه الشعارات في كل عام لحماية الصين مما يحاك لها في الخارج، وأبرز الشعارات المرفوعة هذا العام: "لا تنسوا أبدا المهانة الوطنية"، و"اتحدوا من أجل تجديد الروح الوطنية لدى الشباب الصيني".

ويشيد بعض المقالات بالتضحيات الكبيرة التي بذلها الشعب الصيني بقيادة الحزب الشيوعي، لتوحيد جميع القوى الصينية على قاعدة وطنية تقول بأولوية مقاومة الاحتلال، لتحرير الأراضي الصينية والقرار الوطني الصيني. وهي تهدف إلى تجديد روح الوحدة لدى الشباب الصيني، وتضامن الشعب والقيادة لبناء دولة موحدة تمتلك طاقات بشرية ومادية ضخمة، لمواجهة أي عدوان جديد.

اللافت للنظر هذا العام، هو مشاركة أعداد كبيرة من الصينيين. فقد احتشد المئات منهم أمام المقرات الدبلوماسية اليابانية في الصين، لحظة إطلاق صفارات الحداد للتذكير بمرور تسعة وسبعين عاما على "يوم المهانة الوطنية". ومنهم من حمل يافطات كتب عليها: "قاطعوا البضائع اليابانية"، "لا تنسوا العار الوطني"، "لا تنسوا 18 سبتمبر". علما أن الحكومة الصينية نشرت أعدادا كبيرة من الشرطة للحفاظ على النظام في مختلف مدن الصين، فانتهت الذكرى دون حوادث تذكر. فاستعادة الذكرى مناسبة لبث الروح الوطنية لدى الشباب الصيني، كي يبقى مستعدا لمواجهة أي عدوان خارجي.

في المقابل، تعمل منظمات الصداقة الشعبية بين الصين واليابان منذ عقود طويلة، لإعادة الثقة ومنع تجدد النزعة العدوانية أو الانتقامية في كلا الجانبين، وهي تشكل جسرا للتبادل الوثيق بين حكومتي البلدين، وتكثر من النشاطات الشعبية لتعزيز العلاقات على المدى الطويل، من خلال تعزيز روح التفاهم والصداقة بين الشعبين، وبناء جيل جديد متحرر من ذكريات الماضي الأليمة.

تعمل الدولتان على تجاوز فترة الاحتلال الياباني الأليمة لأجزاء من الصين ما بين 1931 و1945. فهناك تاريخ مشترك من التبادل الثقافي بين الشعبين، يمتد لأكثر من ألفي عام، وتصنف الثقافتان الصينية واليابانية ضمن منظومة الحضارات الآسيوية، التي قدمت مقولات علمية مهمة ساهمت في تطوير الحضارات الإنسانية. وتذكر مقالات رصينة يكتبها مفكرون صينيون، بعبارة كونفوشيوس التي تؤكد على أن "جميع الناس إخوة"، مهما اختلفت المصالح والاتجاهات في ما بينهم.

وبالتالي، من أول واجبات المسؤولين الصينيين واليابانيين استعادة روح الأخوة بين الشعبين الصيني والياباني، والتركيز على الجانب الإيجابي في العلاقات، والسعي لإيجاد نقاط مشتركة للتلاقي معه، دون تجاهل الاختلافات القائمة، بل العمل على تذليلها ومنع انفجارها، من خلال تعزيز المصالح المشتركة، وقيام تعاون اقتصادي واجتماعي وثقافي طويل الأمد، لضمان تلك المصالح ومد السياسة بدفء الحرارة في العلاقات الإنسانية.

إن تطوير العلاقات الرسمية والعلاقات الشعبية في آن واحد، يساعد على تطبيع العلاقات بين الصين واليابان، على أن تلتزم حكومتا البلدين بالحكمة، واحترام المبادئ الأخلاقية، ومعالجة المسائل الخلافية بمسؤولية عالية. فذكريات التاريخ المؤلم تبقى فاعلة في نفوس الأجيال المتعاقبة، خاصة لدى الأمم ذات التاريخ الحافل بالأمجاد. لكن العلاقات القائمة على حماية المصالح المشتركة والنفع المتبادل، تؤسس لتاريخ جديد ينبني على الاحترام المتبادل، ويعزز أواصر الصداقة بين الشعبين.

 علما أن زيارة الزعماء اليابانيين المتكررة إلى أضرحة قادة اليابان في معبد ياتسوكوني من المصنفين مجرمي حرب من الدرجة الأولى، تضر كثيرا بالعلاقات الصينية - اليابانية، وقد تحولت مؤخرا إلى مسألة خلافية خطيرة تهدد الثقة السياسية المتبادلة بين البلدين. وتصر الصين على موقفها بطلب الاعتذار للشعب الصيني عن مآسي الاحتلال، كشرط لتجاوز التاريخ العبء وتعزيز الروابط الثنائية بصورة دائمة. وقد أثبتت تجربة المرحلة الممتدة من نهاية الحرب العالمية الثانية، أن الشعبين الصيني والياباني تعاملا بكثير من الحكمة لتجاوز ذكريات الماضي الأليمة.

ختاما، إن تنمية الروابط بين الصين واليابان، تساهم بشكل مباشر في تعزيز الأمن والاستقرار في منطقة جنوب وشرق آسيا. وتعتبر دروس التاريخ حجر الزاوية في بناء العلاقات بين الشعوب على أسس سليمة، والاستفادة منها للانتقال من التاريخ العبء إلى التاريخ الحافز، انطلاقا من تعزيز المصالح المشتركة ومشاعر الصداقة بين الشعبين. فرغم التظاهرات السنوية المرافقة للمناسبات الوطنية، تبدي حكومتا الصين واليابان الكثير من الحكمة فى معالجة قضايا التاريخ الخلافية. فالأمة العظيمة تحترم التاريخ وتتعلم من دروسه، والشعب الحر يتذكر مآسي التاريخ ليمنع تكرارها في المستقبل، ولا يحولها إلى كراهية لشعب آخر. والتاريخ ماثل دوما في الأذهان، يمنع نسيان الماضي ويستخدمه كبوصلة توجه نحو المستقبل.. الشعوب الحية تسامح دون أن تنسى.