جاءني يخبرني أنه وجد طالباً يعرفه دائماً دمث الخلق سوي السلوك، لكنه في أثناء تفقده لقاعات الامتحان وجده يحتفظ بورقة تحوي بعضاً من مضمون المادة التي يؤدى فيها الامتحان، فما كان منه إلا أن قال له بعد أن أخذ منه ورقة الإجابة «لم أكن أتوقع منك يا فلان أن تأتي بهذا السلوك».

ثم مرت الأيام وتفقد الأستاذ الطالب فلم يجده، فسأل عنه فقال له أقرانه إنه يستحي أن يحضر لقاعات الدرس حياء منك وندماً على ما قام به، بل إنه قرر ألا يكمل دراسته لما بدر منه من سلوك معيب، رغم أن الأستاذ لم يتوعده بالمثول أمام لجان التحقيق بعد.

وعلى الرغم من أسفي ورفضي لهذا السلوك الشائن، قلت في نفسي؛ كيف استطاع هذا المعلم أن يجعل الطالب ينظر إليه بعين الحياء، وعين الحياء لا تأتي إلا برصيد من المحبة لا الخوف؟ فرصيد المحبة هو الذي جعل كلمات المعلم على قلتها، نزلت عليه أشد من ضربات السوط، وصوته على انخفاضه أجج في نفسه أسى وحزناً وحسرة عما بدر منه من سلوك عاتبه عليه أستاذه، عتاب الأب قبل المعلم، والمربي قبل الملقن.

ومع بداية كل عام دراسي تستيقظ في النفس هموم وشجون التعليم، رغبة في أن يكون بحق رافعة من روافع التنمية في بلادنا، ورهبة من أن يكون أحد أهم عناصره بابا ينفذ منه الداء إلى جسد أبنائنا.

والحديث عن المعلم ودوره لم يعد يقبل الجدل، مها تغيرت استراتجيات التدريس وتبدلت أولوياتها، ذلك أن العملية التعليمية تشمل حلقات متعددة، من أهمها المعلم. لذا نحن نحتاج إلى معلم يدرك أنه صاحب رسالة لتعليم الناس الخير، ويدرك الهموم التي تعاني منها أمته.

إن هذا المعلم المؤتمن على عقول أبنائنا، ليس بما يلقنهم إياه فقط من معلومات، ولكن بحركاته وسكناته، بقوله وفعله، خاصة وأن الساعات التي يقضيها الطالب مع معلمه أكثر من الساعات التي يقضيها مع والديه، وهنا يكون دوره التربوي يزيد على دوره التعليمي. نحتاج إلى معلم يستطيع بعين فاحصة، أن يدرك المواهب المتميزة لتلاميذه، كما يدرك أن هناك فروقا فردية جبل الله عليها خلقه.

المشكلة الأساسية أن بعض المعلمين يرون أن من أمامهم ليسوا سوى أوعية يجب ملؤها، إلى حين يطلب منها إلقاؤها على ورقة الإجابة، لتأتي لحظة الخلاص من عبء حمل هذا الكم من المعلومات. وهذا الأسلوب التعليمي لا ينتج مبدعا ولا يثير فكرا، على الرغم من إمكانية حصول صاحبه على علامات مرتفعة. إننا عندما نقول العملية التعليمية، فإننا نعني أن هناك تفاعلاً بين المعلم والطلاب، وأنها ليست أحادية الاتجاه.

إن المحصلة النهائية لناتج العملية التعليمية، هي التلميذ الذي هو نتاج غرس المعلم، فإذا صلح صلح وإذا فسد فسد، والنجباء في تخصصاتهم في دنيا الناس، كانوا تلامذة لأساتذة نجباء كذلك، بل يتفاخرون بنسبهم العلمي إليهم.

لذلك فإن المعلم الحق هو من يقدح شرارة فكر تلاميذه، ويستطيع أن يرى بعين الخبير جوانب الإبداع والتميز لديهم، في الوقت الذي يستطيع أن يأخذ بأيدي ضعاف المستوى ويطور من قدراتهم ويعطيهم الدافعية والثقة بأنفسهم، لا أن يصب عليهم جام غضبه ويشعرهم بالضآلة والعجز، كما يجب أن لا يتعامل معهم باستعلاء أو استخفاف، وأن يحترم فيهم اختلافهم معه، بل وأن يشجع فيهم أدب الاختلاف بدلا من إرهابهم بعصا الخوف.

كما أن نجاح المعلم يأتي من خلال استمتاعه بما يؤديه من أدوار، وإيمانه بقيمة ما يقوم به، ولا شك أن ذلك ينعكس لا محالة على سلوك طلابه وارتباطهم بقاعات الدرس، لارتباطهم في المقام الأول بمعلم سوي. فالتلميذ لا يرى في المدرسة قاعات دراسة ومعامل ومختبرات صماء دون حياة، لكنه يراها من خلال من يبعث فيها روح الحركة والحياة.

حتى الملاعب التي يمارس الطلبة فيها رياضاتهم، لا يراها التلميذ إلا من خلال معلم يضفي على النشاط روحا يسعد بها طلابه، فيكون سببا في استمتاعهم بهذا النشاط، وقد يخرج من بينهم بطل في المستقبل، أو يكون عاملا رئيسا في عزوفهم عن ممارستها.

الشاهد أن صلاح نظامنا التعليمي، مهما كانت حداثة مداخلاته الفنية وقوة بنيته التحتية، لن يكون إلا بصلاح حال المعلم، فهو الذي يقدم نتاج تلك المنظومة وخلاصتها للتلميذ في المرحلة النهائية. فإما يجيد تقديم ما لديه بكفاءة وتفان، فيستنفر ما عند هذا النبت الغض من طاقات مكنونة، وإما غير ذلك. وهنا يكون الحديث عن المناهج وحداثتها والمعامل وتجهيزاتها، بلا قيمة.. أما قياس المحصلة المعرفية للطالب بكم المعلومات التي لديه وفقط، فهو اتجاه مضلل، لأنك تعلم وتربي.. تعلم وتزرع قيما.. تعطي معلومة وتشكل ملامح شخصية.. تزيد معرفة وتقوّم سلوكا.. تخرج طالبا وتصنع رجالا هم قادة المستقبل، وبصلاحهم تصلح أوطان.

إن القيم التي يكتسبها الطالب في مرحلة التعليم الأولى، هي التي يرتقي بها إلى مراحل التعليم الأعلى في الجامعة، بل إنها تكون الأبقى والأكثر تأثيرا في شخصيته. لذا فإن دور المعلم في تلك المراحل، عندي أهم بكثير من دورهم في مراحل التعليم الجامعي.

ولكي يستطيع المعلم أن يؤدي الأدوار المنوطة به، ويحتفظ بهيبته ولا يتحول من صاحب مهنة إلى صاحب حرفة غير باحث عن المكسب الشخصي، لا بد أن يحيا حياة كريمة ويقدر بدخل مجزٍ كحافز لعمله، وليس دافعاً له، يضمن له عدم إراقة ماء وجهه سعياً وراء الدروس الخاصة، التي تقصر وظيفة التعليم على الجانب المعرفي دون الجانب التربوي، أو أن يقوم بعضهم بممارسة مهن أخرى لكي يزيد من دخله، مما يكون له الأثر على كفاءته التدريسية والارتقاء بمستواه المهني من خلال التحصيل والاطلاع.

إن سير الأمم وتاريخ نهضتها، تؤكد أن أمة لم تنهض بغير معلم قادر على أن يزرع الخير بين الناس، وهو الذي تبقى ذكراه بين تلاميذه، وتستمر حياته بعد وفاته في حياتهم، كما أخبرنا الرسول الكريم «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث..»، منهم «علم ينتفع به». لذا فإذا أردت أن تحفظ هوية أمة وتقوي بنيانها.. فابحث عن المعلم.