ليس للمثقف العربي اليوم صورة واحدة. والذين يتابعون إنشاءاته النظرية وأفعاله، يرسمون له صوراً متعدّدة ومتداخلة.
فالتحوّلات التي ضربت بنية المجتمعات السياسية العربية على امتداد الشهور العشرة المنصرمة, أفضت إلى اختلالات بيَّنة في الأنساق والمفاهيم والمناهج، إلى حد صار من الضروري مراجعة ما كان يُعد من الثوابت على الجملة. ومع أن الصورة المألوفة لحالة الولاء والاستقطاب لدى المثقفين العرب لم تعد على حالها، فقد انفتح حراك من نوع آخر بين المثقف والسلطة، قوامه الاحتدام من أجل الاعتراف والحضو.
ولو اتخذ الأمر سياقاً عنفياً في الأحوال العربية الراهنة.. منطقة الإشكال التي تستعاد اليوم في زحمة السجال المستأنف, هي ما يعبّر عنه في الشارع بوجوب انتزاع المجتمع المدني حظوظه في صناعة الحياة السياسية المتداعية. كيف يبدو المنطق الداخلي للإشكال، من خلال تظهيرات إجمالية لمشهد التجاذب والتنافر بين المثقف المدني والمجتمع السياسي؟
أ- سيجد المثقف المدني أن ليس له سوى كسر جدار التحريم الذي تمارسه السلطات عليه. لذا راح يقدّم نفسه كممثل شخصي للجماعة التي يفترض أن تؤلف المجتمع المدني المؤمل، عنينا به المجتمع الموازي للسلطة المسيطرة على العالم السياسي. أما لسان حال المثقف المدني فمؤداه: إن كسر جدار التحريم لا سبيل لإنجازه إلاَّ في المجال السياسي، فهذا هو الذي يمنحنا المنفسح الضروري لإنجاز فضيلة الحضور والاعتراف..
ب- المثقف المدني هو العامل في حقل المواجهة من دون مواربة أو وَجَلٍ، وهو خلاف "المثقف المتخصص" المستكين في نعيم وظيفته، وشغله الخاص. إنه على عكس ذاك الذي يُرسم له دور من خارج، وبالتالي من سلطة الحاكم على وجه التعيين. تلك السلطة التي متى أفلحت في ما رسمته لخصيمها، يصير ذلك الخصيم ماهيّة لها, بعدما أنشأته على صورتها؛ فسلَّم أمره لأمرها، وأمات المساءلة، وآمن بخرافة الفصل بين الحيِّز الذي يعمل فيه, وبين الأحياز التي لا شأن إلا لمحترفي السياسة بها.
ج- المثقف الذي اختار أن يكون مدنياً بحق، لا يرى إلى السياسة على أنها المحرّم الذي لا يقربه إلا خواص القوم، بل يتدخل في ما لا يعني تخصصه ومجال كسبه، لينشئ علاقة قوة واتصال مع سائر الدوائر المنتشرة في فضاء المجتمع. إنه يتصالح مع السياسة بوصفها بوابته على الحرية، ما يؤدي إلى حقيقة أن مقولة الحرية لا تؤخذ إلا من فضاء السياسة.
ولقد أظهرت تحوّلات الشارع العربي، وزن رهان المثقف المدني (فرداً وجماعة) على إمكان أن يكون حراً أو معترفاً به، متى استطاع أن ينشئ توازناً مع السائد السياسي؛ يضارعه متى اقتضت المضارعة، ويتسامح مع سلطته متى شعر بأنها وقفت عند حد لا تجرؤ فيه على محوِهِ وإذابته في مستوعبات التأهيل..
د - قَدَرُ المثقف المدني أن يسعى إلى إجراء تمرين شاقًّ، هو مزيج مركب من المخاطرة والحكمة. كأن يلج عالم السياسة بمساومة الحاكم على منطقة ثالثة، فلا يدخلها السياسي إلاَّ بإذن. منطقة من شأنها - لو انبسطت من غير فتنة أهلية ـ أن تتوازن القوى بنسبة ما، فيتحصَّل جرَّاء هذا أن يصير المدَنيُ قادراً على ممارسة الرقابة والملاحظة، ضمن تسوية مسدّدة بشريعة القانون.
هـ - إن تحول المثقف إلى جماعة، لها ما لها من قدرة على صنع حادثِهاِ الخاص، هو أمرٌ لا مناص منه لقيام ما صار يعرف بـالدولة المدنية. فلا قيامة للمدني إلاَّ باختراق خطوط السياسي الخلفية ودفاعاته، كحقلين خصيبين لممارسة لعبة التوازن. فمثلما تكون السياسة ساحة لسلطة الحاكم، تفرض قيَمها على من يخالفها ويختلف معها.. هي أيضاً ضالّة المثقّف المدني وميدان حضوره.
و - الأمر ليس بهذه البساطة، فالصراع المُدار بكمية عالية من الذكاء, والمدفوع بمصالح لا حصر لمصادرها, سيكون صراعاً مريراً ومضنياً ويائساً، من قبل أن يسفر عن تعادل ما. والذين يتصورون أن السلطة في جانب والمعرفة في جانب آخر، وأن السياسة يمارسها أناس لا علاقة لهم بالفكر أو بالمعرفة, وأن المعرفة هي من اختصاص الفلاسفة والمفكرين ومثقفي الشوارع، فليس لهؤلاء إلى العقلانية سبيل.
فالمعرفة توجد حيث توجد السلطة، باعتبار المعرفة سلاحاً لها، بل نرى فوق هذا بدرجة: المعارف التي يمتلكها الحاكم أو ينتجها، قد تكون في أحوال شتّى، أرقى شأناً، وأبلغ أثراً، وأكثر حيوية, وأرسخ قدرة على تأسيس الحادث التاريخي, مما هي عليه لدى المثقف. إن مجرد ممارسة السلطة ـ كما يقول الفيلسوف الفرنسي الراحل ميشيل فوكو ـ يؤدي إلى خلق المعرفة، وتوليد الأفكار, وتجميع المعلومات، وبالتالي استخدامها على الجملة.
لقد بدا باكراً للفيلسوف الفرنسي الراحل ميشال فوكو، ومن قبل أن تجتاح النيوليبرالية معاقل اليسار وقلاعه الإيديولوجية الصمّاء، أن المجتمعات الأوروبية المدنية التي ولدت بعد الثورة الفرنسية، هي مجتمعات تدجين وتطبيع, وهي مجتمعات امتثالية تهدف إلى التدخل في أعمال الإنسان, ومراقبة تصرفاته من المهد إلى اللحد..
ولمّا وجّه فوكو نقده الصارم نحو الإرهاصات الأولى لحداثات آخر القرن العشرين، فإنما قدم نموذجه كمفكر "سلطوي" بامتياز. لم يكن يرى أن الاحتجاج على الانتهاكات التي تتقنها ماكينات السلطة الحاكمة، يقوم على الاكتفاء بإدارة الظهر لقيمها وطرائق سلوكها.. أو على أن مضارعتها تكون فقط بإقامة الحد عليها، أو بإنشاء جدار فاصل من الكلمات والموانع بينها وبينه.. وإنما في إدراك ماهيتها الجوهرية كهيكل سياسي، وثقافي، ومعرفي، وأخلاقي شامل.
الآن، حيث نقرأ صورة العربي وهو يختبر تحوّلات المجتمع والسلطة، سنجد سياقاً يمتلئ بالأسرار، وله وجوه وإمكانات وتحولات يكاد لا يكون لها مستودعٌ ولا مستقر..
ما تشي به صورة المثقف العربي اليوم، ينطوي على تعقيد لا قِبل له به. فإنه إلى "لعنة الجيوستراتيجا" التي تلقي بحراكه في ثنايا المؤثرات والموازين والمصالح على طول الامتدادات الإقليمية والدولية.. وعرضها, فإنه يبقى يصطدم بمجتمع سياسي هو أشبه بحيوان أسطوري غامض جداً وخطير جداً...
بعد ذلك.. هل علينا أن نبحث لنعثر على صورة مثقف عربي مدني يتقن فن إدارة التعقيد؟ مثقف لا يساوم الحاكم ولكنه في الوقت عينه, لا يسرف في الكراهية المصوّبة نحو ذلك الحاكم؟ ذلك أن الاحتدام ما عاد ينمو ويترقّى وينتشر, ثمّ ليُعلَن عن الحصاد في القلاع المغلقة للدولة السيدة.
ثمة صورة أخرى للثورات العربية, تجيء هذه المرة على نشأة العالم المستباح. وهنا بالذات تتبدى مأساوية المثقف العربي. فلقد تموضع في أفناء ثورة امتزجت فيها جاهلية الفتنة، باستبداد الحاكم, بمقاومة المحتل, في موازات شغفٍ إمبريالي ما بعد حداثوي, ما عاد يرى إلا الاحتلال و"الاستحلال" سبيلاً إلى الديمقراطية..