إن من أبرز سمات الربيع العربي الذي انطلق مع نجاح بعض الثورات الشعبية في تغيير الأنظمة الحاكمة كما هو الحال في كل من تونس ومصر وليبيا، ومع قدرة بعض الشعوب العربية الأخرى على خلق حراك إصلاحي سياسي كما هو الحاصل في المغرب والأردن وغيرهما.
ومع إصرار شعوب عربية أخرى على تغيير الأنظمة الحاكمة فيها كما هو الحال في اليمن وسوريا، هو انتصار لأفكار جديدة على أفكار أخرى كانت سائدة لفترة طويلة من الزمن في الحالة العربية السابقة للربيع العربي. وهنا نعرض لمثل هذه الأفكار التي انتصرت.
أول الأفكار التي انتصرت مع الربيع العربي هي فكرة التغيير مقابل فكرة الثبات. لقد ظلت شعوب العالم العربي طوال فترة ما لا يقل عن الخمسين سنة الماضية شعوبا يفرض عليها سيادة فكرة المحافظة على الوضع القائم والخوف من تغييره، فالكثير من الأنظمة العربية الحاكمة استطاعت بشتى الطرق ترويع المواطن العربي من فكرة التغيير حتى أصبح الزعيم العربي يدخل موسوعة العالم للأرقام القياسية في طول فترة حكمه.
وأصبح لا يمكن للحاكم أن يتصور أن شعبه الذي قدسه طوال تلك السنين سيتخلى عنه بالسهولة التي حدثت في مصر أو ليبيا. لذلك فإن من انعكاسات حالة الربيع العربي انتصار فكر جديد لدى المواطن العربي قوامه رفض الثبات والمحافظة ونزع الخوف من التغيير، فأصبح الإنسان العربي وفقاً لهذه الحالة الجديدة أقرب إلى الإنسان العادي الذي يرى أن التغيير سنة الحياة وحاجة ضرورية تستحق في بعض الحالات أن تُقدم التضحيات من أجلها.
وثاني الأفكار التي انتصرت مع الربيع العربي هي فكرة الحرية مقابل فكرة الكبت. لقد اتسمت الحالة العربية طوال الفترة السابقة بغياب الحرية، بمعنى أن الإنسان العربي لم يكن يستطيع أن يعيش حياته وفقاً لما يريده ويختاره هو لنفسه، بل ظل المواطن العربي رهينة لسيطرة الدولة على فكره واختياراته، فكانت شعارات التضحية للوطن والجماعة هي السمة الأبرز المقيدة لحرية الإنسان العربي وإبداعه، وكان المواطن عاجزاً عن انتقاد النظام أو التعبير بما لا يتماشى مع ما يراه النظام الحاكم في بلده.
أما اليوم فإن فكرة الكبت في طورها للتلاشي لصالح فكرة الحرية التي تجعل المواطن العربي حراً في بلده وغير مكبل بسلاسل الخوف ومصالح الغير. لذلك فإن المواطن العربي أصبح ولأول مرة في الكثير من الدول العربية يستنشق هواء الحرية التي فقدها في السابق، وأصبح يُعبر عن رأيه بكل حرية ودون خوف، فأصبحت فكرة الحرية هي من الأفكار التي استطاعت أن تنتصر مع الربيع العربي.
وثالث الأفكار التي انتصرت مع الربيع العربي فكرة الديمقراطية مقابل فكرة الاستبدادية. لم تعرف الدول العربية الممارسة الديمقراطية إلا في نطاق ضيق في بعض الدول العربية، إلا أن الممارسة الديمقراطية الفعلية التي تقوم على فكرة تداول السلطة بشكل سلمي وعادل للجميع لم تكن هي السمة الأبرز في المجتمعات العربية، بحيث أصبح الاستبداد هو الفكر السائد في الحالة العربية قبل الربيع العربي.
فالحاكم العربي كان إما أن يصل للحكم باستخدام القوة العسكرية، أو بانتخابات شكلية قوامها التزوير، أو معتمداً على العرف والتقاليد، وليس في الواقع العربي ممارسة ديمقراطية صحيحة لتداول السلطة باستثناء ربما لبنان إلى درجة معينة. ولقد أوصلت حالة غياب الممارسة الديمقراطية الفعلية في اختيار الحاكم العربي إلى ترسيخ فكرة الوراثة لدى الأنظمة السياسية العربية غير الملكية. لذلك فإن السمة البارزة لفترة ما بعد انطلاق الربيع العربي هي سيادة فكر جديد قوامه الديمقراطية عن طريق المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار وفي اختيار القيادة السياسية .
وفي التداول السلمي للسلطة. ولقد تمثل هذا الفكر الجديد في سعي الشعوب العربية التي نجحت في تغيير أنظمتها السياسية في العمل على وضع أطر إجرائية وموضوعية لتنظيم إجراء انتخابات تشريعية تتصف بالحرية والنزاهة، وفي العمل على إشراك الشعب في وضع دساتير جديدة تؤكد على الممارسة الديمقراطية.
وتمثل ذلك أيضاً في سعي بعض الشعوب العربية الأخرى في الضغط على حكوماتها نحو تحقيق إصلاحات سياسية في مجال إدخال مبدأ المشاركة السياسية والتداول السلمي للسلطة. فالديمقراطية أصبحت هي الفكرة السائدة لدى الشعوب العربية التي أصبحت رافضة لفكرة القبول بسيطرة فئة صغيرة على الحكم.
وأخيراً وليس آخراً فإن فكرة العدالة استطاعت أن تتنصر على فكرة الظلم، حيث أصبح الشارع العربي رافضاً للممارسات السابقة التي كان النظام السياسي يقوم بها باعتبارها ممارسات ظالمة في حق الشعب من خلال سعيها لتحقيق مصلحة فئة معينة من الشعب على حساب مصلحة الشعب بأكمله. أما اليوم فإن التأكيد هو على ضرورة أن يكون العدل هو سمة الحكم سواء كان ذلك على مستوى السياسة الداخلية من خلال مساواة الجميع بشكل عادل أمام القانون ومحاسبة الفاسدين، أو على مستوى السياسة الخارجية من خلال الشراكة العادلة والمتساوية في الفوائد والمصالح مع الدول الأخرى.
والتي تجلى مظهرها بوضوح في الوقفة الشعبية المصرية ضد التحالف المُهين كما يراه المصريون - للنظام السياسي المصري السابق مع إسرائيل والمطالبة الحالية بالشراكة العادلة والمتساوية في العلاقة القائمة بين البلدين. ففكرة العدل هي فكرة أخرى من الأفكار التي استطاعت أن تنتصر في الحالة العربية الجديدة.
فالسمة البارزة لفترة ما بعد بدء الربيع العربي قوامها انتصار أفكار جديدة في الحالة العربية الحالية على أفكار أخرى كانت سائدة في الحالة العربية السابقة للربيع العربي، حيث أصبح فكر التغيير، والحرية، والديمقراطية، والعدالة هي الأفكار الجديدة التي استطاعت أن تحل محل الأفكار القديمة في المنطقة العربية من قبيل فكر الثبات والخوف من التغيير، والكبت، والاستبداد، والظلم.
لذلك فإن الربيع العربي هو بحق ربيع يفتح الآفاق لمستقبل واعد للمنطقة العربية لأنه ربيع قوامه تغيير في فكر الإنسان العربي ليصبح أكثر قرباً للفكر الإنساني الدارج عالمياً.