رسميًّا قدم الرئيس الفلسطيني محمود عباس أمس طلب الاعتراف بالدولة الفلسطينية والقبول بها دولة كاملة العضوية إلى الأمم المتحدة، من خلال الكلمة التي ألقاها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. وبالنظر إلى ما تضمنته الكلمة من مضامين وخطوات عملية يمكن القول بأن عباس قد وضع خارطة طريق للوصول إلى الحل العادل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أمام قوى المجتمع الدولي بصورة عامة، ومن ينصبون أنفسهم بأنهم رعاة السلام ودعاته بصورة خاصة، تؤدي بالمجتمع الدولي الى إعطاء الحق لأصحابه وتجرد المحتل من سلطته وتنمره على الشعب الفلسطيني.
وكان الرئيس الفلسطيني واضحًا في طرحه وصريحًا إلى أبعد الحدود بأن ما دفع الشعب الفلسطيني إلى هذا الخيار بعد ما رأى وتأكد له أنه يعيش خدعة لا يستطيع كل عاقل ومنصف أن يصفها إلا بأنها أكبر خدعة في التاريخ تمارس عليه لاغتصاب حقوقه المشروعة، وهي بالفعل خدعة كبرى تشترك فيها أطراف بما فيها ـ للأسف ـ مؤسسات دولية، فمنذ الرابع من يونيو عام 1967 يرزح الشعب الفلسطيني بين براثن احتلال غاشم عنصري لم يتورع لحظة عن ممارسة أبشع صنوف الإرهاب بحق الفلسطينيين العزل مستهدفًا من وراء ذلك القضاء عليهم وإبادتهم من الوجود ليسيطر على كامل التراب الفلسطيني، ولم يقتصر المحتل الإسرائيلي على ارتكاب جرائم الإبادة في الداخل الفلسطيني وإنما في الخارج فمجزرة صبرا وشاتيلا وغيرها خير شاهد على عدوانية المحتل الإسرائيلي ورفضه للآخر، ومنذ ما يزيد على ثمانية عشر عامًا على توقيع اتفاقات أوسلو، لا يزال الشعب الفلسطيني وسلطته الممثل الشرعي له حبيسي مفاوضات عبثية لا هدف من ورائها سوى إضاعة الوقت لإحراز مزيد من المكاسب على الأرض لتغيير الجغرافيا والديموغرافيا للقضاء على أي حلم فلسطيني لإقامة دولته، والمؤسف أن الأطراف الدولية الفاعلة التي كانت تسوق نفسها على أنها مناصرة لحقوق الإنسان وراعية للسلام ظلت على الدوام توفر الغطاء لفوضى المفاوضات الإسرائيلية، ورغم كل ذلك لم ييأس الجانب الفلسطيني عن القيام بالمبادرات والتعاطي مع مختلف الأفكار والمبادرات بكل أريحية وإيجابية.
وحين أدرك الشعب الفلسطيني أنه بالفعل واقع فريسة خدعة كبرى تمارس عليه حسم أمره على خياره الشرعي في إحقاق حقوقه الوطنية الثابتة في إقامة دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية فوق جميع أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة التي احتلها الكيان الإسرائيلي في حرب يونيو 1967، وفقًا لقرارات الشرعية الدولية والتوصل إلى حل عادل ومتفق عليه لقضية اللاجئين وفق القرار 194.
لقد كان الرئيس عباس واضحًا وهو يقدم طلب العضوية للدولة الفلسطينية، حيث أشفع طلبه بأسس ومبادئ ترسي قواعد الاستقرار وتحق الحق وذلك من خلال نبذ العنف ورفض وإدانة جميع أشكال الإرهاب، والتمسك بجميع الاتفاقات الموقعة بين منظمة التحرير والكيان الإسرائيلي، والتمسك بخيار التفاوض والاستعداد للعودة المباشرة إلى طاولة المفاوضات، ولكن وفق مرجعية معتمدة تتوافق والشرعية الدولية ووقف الاستيطان، والتمسك بخيار المقاومة الشعبية السلمية.
وفي اعتقادنا أن عباس قد وضع خارطة طريق متوازنة وعادلة ومعتبرة لإرساء السلام تختلف كليًّا عن خارطة الطريق التي أعلنها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش (الصغير)، ولقد كان طبيعيا أن تقابل كلمة الرئيس الفلسطيني بالتصفيق الحار من قبل أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة، عند كل مفصل من مفاصلها التي تعبرعن الواقعية السياسية التي جعلت نتنياهو في كلمته التي أعقبت كلمة الزعيم الفلسطيني يغرق في استنتاجات عقيمة ودعوات للتفاوض أكثر عقما لأنها تفتقد المصداقية وتجسد طبيعة هذا الكيان الاحتلالي المراوغ الذي يعلم جيدا أنه أصبح يقف على أرضية رخوة بينما صار نده الفلسطيني يقف على أرضية صلبة لأنه صاحب حق وقضية عادلة تحظى بدعم دولي متزايد والتي حتما ستنتصر، والرفض عن التصويت لصالح الاعتراف بالدولة الفلسطينية من قبل رعاة السلام وبعض الدول الممالئة، لا يمكن تفسيره إلا أنه ابتزاز غير مسبوق أشبه بعملية اغتصاب سياسي على الملأ.