مع توجه الفلسطينيين إلى الأمم المتحدة هذا الأسبوع، يواجه الرئيس أوباما أحد أعقد المآزق في رئاسته، وهو ورطة من صنع يديه.

وبعد أربعة عقود من المفاوضات الفاشلة مع إسرائيل، يأمل الفلسطينيون بأن تمنحهم الأمم المتحدة أخيراً، دولة ذات سيادة على أراضي الضفة الغربية، حيث يعيش معظمهم.

لكن أوباما هدد باستخدام حق النقض "الفيتو"، عندما يطلب الفلسطينيون من مجلس الأمن التصويت على قيام دولتهم. ومن شأن هذا أن يكون إجراءً كارثياً، بالنسبة للأمريكيين وإسرائيل والفلسطينيين على حد سواء.

دعونا نفكر في الأمر، فعلى الرغم من كون الولايات المتحدة هي الراعي التقليدي لإسرائيل، فإنها تحقق الآن مكاسب، ولو محدودة، في العالم العربي، عن طريق المشاركة في عمليات الناتو في ليبيا، وتقديم العون للجماعات الثائرة في كل من مصر واليمن وغيرهما.

وباستخدام الفيتو، ستضيع كل تلك الجهود سدى. وستعود الولايات المتحدة إلى سابق عهدها، باعتبارها الدولة المنبوذة في المنطقة. وتحذر المملكة العربية السعودية بأنها ستقلص علاقاتها مع أمريكا، وستنتهج سياسات تمقتها واشنطن.

وكتب الأمير تركي الفيصل، أحد أفراد العائلة الملكية السعودية، في مقالة له نشرتها نيويورك تايمز قبل أيام، قائلا إن "الولايات المتحدة (إذا استخدمت الفيتو) ستعتبر كياناً ساماً مؤذياً من قبل الأغلبية الساحقة من العرب والمسلمين، الذين يطالبون بالعدالة للشعب الفلسطيني. ولن يكون بوسع المملكة العربية السعودية بعدئذ، الاستمرار في تعاونها مع الولايات المتحدة بالطريقة نفسها التي التزمت بها تاريخياً".

وبالنسبة للفلسطينيين، لن يتبقى لهم سوى خيار عرض قضيتهم أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث ستصوت الأغلبية الساحقة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، والبالغ عددها 193 دولة، لصالح قيام دولة فلسطينية. ولقد أخبرني مسؤولون إسرائيليون أنهم لا يعتقدون أن بإمكانهم أن يكسبوا أكثر من 15 إلى 20 في المئة من الأصوات.

وفي تلك الحالة، سيحرز الفلسطينيون نصراً رمزياً، ليس له أي ثقل قانوني. وتهدد إسرائيل بأنها إذا حدث هذا بالفعل، سوف تقطع الموارد المالية عن الضفة الغربية، وسوف تضمّ إليها أراضي من الضفة، وقد تقوم حتى بما هو أسوأ. لكن الفلسطينيين ربما يردون على ذلك باللجوء إلى العنف.

حسنا، المأزق بتعريفه يفرض خيارين، فما هو الخيار الثاني؟ ماذا قد يحدث إذا لم يستخدم أوباما "الفيتو" ضد قرار قيام الدول الفلسطينية؟ من شأن ذلك أن يغضب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنامين نتنياهو وحلفاءه من جماعات المستوطنين اليمينية المتشددة. لكن العديد من الإسرائيليين، إذا لم نقل معظمهم، سيبقون صامتين، أو حتى ربما يكونون مسرورين.

وفي الولايات المتحدة، من شأن ذلك أن يغضب بعض اليهود الأمريكيين، لكن ليس كلهم. ويوم الاثنين الماضي، كتب الفرع الأمريكي لجماعة "السلام الآن" الإسرائيلية: "نحن ندرك أن هناك عناصر إيجابية مهمة في مسعى اللجوء إلى الأمم المتحدة، بما في ذلك حقيقة أن الأمر يعكس استمرار الالتزام بإحراز التقدم عن طريق وسائل لاعنفية".

وفي المقابل، فإن من شأن ذلك أن يثير سخط ملايين من المسيحيين المتعصبين في الولايات المتحدة، والذين يعرف عنهم مغالاتهم في تأييد اليمين الإسرائيلي. لكن معظم هؤلاء يصوتون دائماً للجمهوريين، على أية حال.

ويشير أنصار مبادرة الفلسطينيين في الأمم المتحدة، إلى أنه حتى إذا كسبوا الاعتراف الكامل كدولة ذات سيادة، فسوف يبقى هناك آلاف الجنود الإسرائيليين يحتلون الضفة الغربية، وأكثر من 350 ألف مستوطن يعيشون هناك. وعند ذلك، ستضطر إسرائيل للتفاوض على السلام، ومن دون شروط مسبقة. وسياسياً، على الأقل، سيكون الفلسطينيون هذه المرة ندا لإسرائيل بدرجة أكبر. وستترك غزة، كما نأمل، خارج هذه اللعبة السياسية كلها في المرحلة الراهنة.

لقد استخدم نتنياهو كل ذريعة وخدعة في جعبته لتفادي المفاوضات، وهذا أحد أسباب المتاعب التي تواجه إسرائيل الآن. وخلال الأيام القليلة الماضية فقط، اضطر سفير إسرائيل في مصر إلى الفرار من رعاع الجماهير الغاضبة التي هاجمت السفارة، كما تم طرد السفير الإسرائيلي من تركيا.

ومن شأن إجبار نتنياهو على العودة إلى طاولة المفاوضات، أن يكون تطوراً إيجابياً بالنسبة لموقع إسرائيل في المنطقة والعالم. كما أن من شأن القيام بهذا التغير الكامل المفاجئ، أن يساعد أوباما في التعويض عن الأضرار الناتجة عن الأخطاء التي اقترفها في أوائل رئاسته.

فبعد فترة وجيزة من وصوله إلى البيت الأبيض، قرر أوباما الخوض في نزاع السلام في الشرق الأوسط، وطالب إسرائيل بوقف الاستيطان. حسناً، لقد حاول كل رئيس أمريكي منذ جيمي كارتر، الضغط على إسرائيل لوقف النمو الاستيطاني، وباءت كل تلك المحاولات بالفشل. ولذلك، فلقد كانت خطوة ساذجة من جانب أوباما، أن يبدأ تحركه بهذا المطلب.

لكن مع ذلك، لم يكن أمام الرئيس الفلسطيني محمود عباس، خيار آخر سوى تبني ذلك المطلب كحجر زاوية في سياسته. وقال عباس في حينها "أوباما هو الذي أعلن أن أعمال تشييد المستوطنات يجب أن تتوقف. الولايات المتحدة تقول ذلك، وأوروبا تقوله، والعالم كله يقوله. لماذا لا ينبغي لي أن أقوله؟". ومنذ ذلك الحين ظلت محاولات العودة إلى التفاوض تتعثر حول هذه النقطة.

والآن يجد أوباما نفسه عالقاً بين المطرقة والسندان. لو كنت في مكانه، عندما يحين موعد الحسم في الأمم المتحدة بشأن قرار قيام الدولة الفلسطينية، لاكتفيت بالامتناع عن التصويت.