في الفترة ما بين 12 إلى 16 سبتمبر/ أيلول 2011، عقد في بيروت المؤتمر الثاني لدول الاتفاق على مكافحة الذخائر العنقودية. كان المؤتمر الأول قد عقد في لاوس في العام 2010، وتقرر عقد المؤتمر القادم في النروج في أيلول 2012.

يؤكد تعاقب المؤتمرات وانتظامها سنويا، على مدى اهتمام العالم كله بمكافحة هذه الجريمة النكراء، التي تعرض بعض المجتمعات للمآسي الإنسانية، وتشل حركة تقدمها الاقتصادية والاجتماعية لعقود طويلة، ما لم تتلق مساعدات مالية ولوجستية متطورة جدا تساعد على التخلص منها.

فلبنان الذي تبلغ مساحته عشرة آلاف وأربعمائة واثنين وخمسين كيلومترا مربعا، تعرض لعدوان إسرائيل البربري عام 2006. وبالإضافة إلى الدمار الهائل في البنى التحتية على امتداد الأراضي اللبنانية، وآلاف الأرواح البريئة والجرحى والمعاقين، خلفت إسرائيل وراءها أربعة ملايين قنبلة عنقودية محرمة دوليا، دون أن تلقى أي عقاب.

ودلت التقاريراللبنانية وتقارير الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، على أن تلك القنابل ألقيت ضمن مساحة قدرت بأربعة وخمسين كلم مربعا. وبفضل المساعدات الدولية نجحت الدولة اللبنانية في تنظيف ثلثي المنطقة المنكوبة، وما زال العمل جاريا لتنظيف الثلث الباقي، الذي يتكون في الغالب من أراض زراعية وحرجية. وتسببت تلك القنابل في قتل أو إعاقة أكثر من أربعمائة مواطن لبناني حتى الآن.

لذلك اعتبر المؤتمر حدثا دوليا هاما، ولاقى نجاحا كبيرا بفضل التعاون المثمر بين السلطات اللبنانية ممثلة بوزارة الخارجية وقيادة الجيش ومنظمات المجتمع المدني من جهة، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي من جهة أخرى. ولعب الجانب اللبناني دورا بارزا في صياغة اتفاق دولي عرف باسم "إعلان بيروت"، تم إطلاقه في نهاية المؤتمر، فشكل ركيزة إضافية لرفع مستوى الضغط العالمي بهدف حظر تصنيع القنابل العنقودية وتصديرها، وفرض عقوبات دولية صارمة على الدولة التي تستخدم تلك الذخائر، باعتبارها جريمة ضد الإنسانية.

أعطى مؤتمر بيروت دفعا كبيرا للدبلوماسية اللبنانية، التي نجحت في حشد مندوبين من مائة وثلاث وثلاثين دولة. وقدمت في المؤتمر أبحاث علمية قيمة، ومداخلات تميزت بكثير من الدقة في إبراز الأهداف المعلنة أو المضمرة، التي دفعت إسرائيل إلى قذف مناطق لبنانية محاذية لحدودها مع لبنان، بهذا الكم الهائل من القنابل العنقودية، التي أخرجت تلك المناطق من دائرة الاستخدام الزراعي والدورة الاقتصادية. وقد شكلت تلك الأبحاث والمداخلات إدانة واضحة لإسرائيل التي اعترفت وتباهت بجريمتها، دون أن تتحرك الأمم المتحدة لإدانتها. لذلك سارع المجتمع الدولي لمد يد العون إلى اللبنانيين وبصورة عاجلة، لتحقيق الأهداف التالية:

1- تقديم مساعدات فورية على المستوى اللوجستي لإزالة جميع القنابل العنقودية، وإعادة الأراضي المنكوبة للعمل ضمن الدورة الاقتصادية في لبنان.

2- تلقي مساعدات مالية وعينية من الدول المانحة، وضمان الحقوق المشروعة لضحايا تلك القنابل، والعمل طويل الأمد لإعادة دمج المعاقين اجتماعيا واقتصاديا.

3- اتخاذ التدابير الضرورية لمنع استخدام الذخائر العنقودية في المستقبل، وإدانة إسرائيل في المحافل الدولية بسبب استخدامها لتلك القنابل ضد مواطنين مدنيين لبنانيين، والخوف من تكرار استخدامها في مناطق عربية أخرى، ما لم يتم ردعها من جانب المجتمع الدولي. وقد أدان رئيس الجمهورية اللبنانية، العماد ميشال سليمان، بشدة استخفاف إسرائيل بالقيم الإنسانية، وبالقوانين الدولية، وذلك في كلمة افتتاح أعمال المؤتمر حين قال: إن استعمال إسرائيل للقنابل العنقودية بشكل سافر ومشين في حربها الأخيرة على لبنان، هزّ وعي العالم ضد هذا النوع من القنابل.

4- شكل انعقاد المؤتمر نهجا جديدا في تكتل الدول المانحة والمشاركة، وراء مبادئ إنسانية تساهم في تعزيز الروابط الاجتماعية بين جميع الدول. وفي طليعة تلك المبادئ السعي إلى وضع حد لتصنيع واستخدام القنابل العنقودية، التي تعتبر جريمة موصوفة في حق الإنسانية. فهذا السلاح المدمر يقتل الأبرياء في بيوتهم ومناطق عملهم ومصادر رزقهم، ولا يميز بين مدني وعسكري، أو بين رجل وامرأة، أو طفل وشاب وكهل.

5- امتلك لبنان خبرة كبيرة في مجال التخلص من القنابل العنقودية، وفق أحدث الطرق العلمية المستندة إلى تقنيات متطورة. وتبدي السلطات اللبنانية استعدادها التام لوضع خبراتها المكتسبة في تصرف الأمم المتحدة، لتنظيف الأراضي الملوثة بالذخائر العنقودية، ومساعدة الجرحى والمصابين، وذلك في إطار التعاون الدولي المشترك للتخلص من هذا الأسلوب الوحشي، الذي يخلف ضحايا من المدنيين بالدرجة الأولى، وإعاقة مواطنين أبرياء، ولا بد من تقديم التعويض المناسب لهم عن الأذى والأضرار الفادحة التي لحقت بهم، ومساعدة الجهات المانحة والداعمة لإزالة تلك القنابل من جميع الأراضي اللبنانية المنكوبة، وإعادة دمجها بالمناطق اللبنانية الأخرى.

ختاما، شكل "إعلان بيروت لدول اتفاق الذخائر العنقودية" وثيقة إدانة رسمية لإسرائيل، بعد أن وقعت عليها نسبة كبيرة من دول العالم، وأكدت التزامها الجاد بالعمل على حظر هذا السلاح المدمر وإنقاذ شعوب العالم منه.

 ومع أن برنامج العمل المقترح كبير ومتشعب، فإن المشاركة الكثيفة في المؤتمر أظهرت إصرار الأسرة الدولية على إنقاذ العالم من هذه الأسلحة التي لا تقل خطورة عن السلاح النووي. فاستخدام إسرائيل لهذا السلاح بشكلٍ سافر على لبنان عام 2006، هز ضمير العالم، فكانت المبادرة الأولى من النروج، وقد توجت لاحقا بتوقيع اتفاقيّة "دبلن" في أيار/ مايو 2008، ثم أطلقت في احتفال رسمي في أوسلو في كانون الأول/ ديسمبر 2008. وقد شارك لبنان في جميع أعمال تلك اللجان، انطلاقا من إيمانه الثابت بضرورة حظر أسلحة الدمار الشامل، ومنها القنابل العنقودية.

ودخلت تلك الاتفاقية حيز التنفيذ في لبنان في الأول من من أيار 2011، فالتزمت الحكومة اللبنانية بشكل تام بأحكامها، لا سيما لجهة مساعدة ضحايا الذخائر العنقودية، وتنظيف أراضيها من مخلفاتها. وصدر في ختام المؤتمر الثاني "إعلان بيروت 2011"، فاعتبر تتويجا لمسار أوسلو، ونتاجا للشراكة الناجحة بين الدول والمنظمات الدولية والمجتمع المدني. وليس من شك في أن الحفاظ على هذه الشراكة شرط أساسي لضمان تنفيذ بنود هذه الاتفاقية وتعميمها على المستوى العالمي، بهدف التحضير لضغوط فاعلة تحرر العالم كله من مخاطر القنابل العنقودية وغيرها من أسلحة الدمار الجماعي.