تعيش دولة الإمارات هذه الأيام، عرسا ديمقراطيا تتجلى فيه، خلال أيام قليلة، إرادة المواطن في اختيار ممثليه من أعضاء المجلس الوطني، الذي شهد هذه الدورة زيادة عدد المرشحين بصفة عامة، وأعداد النساء على وجه الخصوص، كما شهد توسيع قاعدة المشاركة من أفراد الهيئة الانتخابية، بما جعل وكالات الأنباء المختلفة تضع عنوانا عريضا لما تشهده دولتنا بقولها "الإمارات تخطو حثيثا نحو توسيع المشاركة السياسية".
بدت ملامحها منذ أن أعلن صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، منذ سنوات عن أهمية تعميق المشاركة الشعبية عبر إعادة النظر في اختصاصات وتشكيل وعدد أعضاء المجلس الوطني الاتحادي على مراحل، وأكد أننا نسير فيها بعزم مع الحكومة الاتحادية وعلى رأسها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وما يشدد عليه دائما في هذا الاتجاه يمثل رافعة سياسية يعول عليها دائما.
وهذا حق أن القيادة السياسية وعدت بتوسيع قاعدة المشاركة بما يضمن الحفاظ على مكتسبات الاتحاد، بمشاركة سياسية لأبناء الوطن، دون إحداث قفزات في الهواء الطلق غير محسوبة وعواقبها غير مأمونة، لكنها تسير بتدرج وثبات في وقت معا. وهذا هو ملمح العملية السياسية في الإمارات، حتى نصل إلى ما نصبو إليه وما وعدت به القيادة السياسية وأكدت عليه، ونرى آثاره في ما يتخذ من إجراءات. وفي إطار هذه العرس الديمقراطي، هناك بعض الملامح التي وقفت عندها وجالت في خاطري، منها..
إن التغيير في العملية السياسية التي تشهدها دولتنا، من حيث اختيار أعضاء المجلس الوطني والذي نتطلع فيه إلى المزيد، لم يكن وليد اليوم، بل هذا ما أكدت عليه دوما القيادة السياسية ووعدت به، لذلك فإنه جاء بإرادة وطنية خالصة، تدرك طبيعة مجتمعنا ومصلحة الوطن، لذا فإن ديمقراطيتنا بنفس إماراتي. كما أن النظام الجديد لانتخاب أعضاء المجلس، يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، وأنا على يقين أنه ستتبعها خطوات تعمق المشاركة السياسية.
توقفت عند بعض المقولات للمواطن البسيط بتلقائية وعفوية تستحق النظر، عندما قال "ماذا سيفعل لي أعضاء المجلس وأنا أستطيع أن أصل مباشرة إلى القيادة السياسية دون وسطاء". وهذه المقولة تدعو للتوقف، ذلك أن مسألة التحام القيادة السياسية بالمواطن وسياسة الباب المفتوح، سبقت لدينا المجالس الوطنية، ليس بخطوة واحدة، ولكن بخطوات، وهذا نهج للحكم ترسخ منذ عهد المؤسسين وتوارثه الخلف وأكدوا عليه، مما جعل الحالة الملتهبة لاختيار أعضاء المجلس، والتي تخرج من إطار التنافس إلى إطار الصراع الذي نشهده في دول عربية أخرى، غير موجودة في دولتنا لانتفاء الأسباب الدافعة لها. وهنا أنا لا أقلل من شأن المجلس ولا أهمية الدور الذي يقوم به أعضاؤه في خدمة الوطن والمواطن، لكن هذا واقع مشهود.
كما أعتقد أننا شغلنا أنفسنا كثيرا بطريقة وكيفية انتخاب أعضاء المجلس وعددهم، وهذا مهم لكننا لم ننشغل بنفس القدر بأهمية أن تكون لديهم إرادة التغيير وقراءة الواقع واستشراف المستقبل، وأن يتم تغليب المصلحة العامة قبل المصالح الضيقة، كما ينبغي أن تكون لديهم الرغبة في العمل العام والصبر عليه، وأن يتم اختيارهم بناء على برنامج واضح يسعون إلى تطبيقه، ويتضح ذلك جليا من خلال الدعاية الانتخابية للمرشحين. يلاحظ أن معظم المرشحين رفعوا شعارات فضفاضة لم تأت بجديد، على غرار "همكم همي"، "المواطن دائما"، "لحياة كريمة"، "لمواصلة خدمتي لوطني"، "في خدمة الوطن والمواطن".
"لمستقبل باهر وسعيد"، "لمواجهة التحديات".. دون أن يوضح أي منهم ما هي التحديات التي يتحدث عنها، وما السبيل إلى مواجهتها، فضلا عن الخطوات التي سيتخذها لتحقيق مزيد من الرخاء. بل إن منهم من خلط في دعايته بين العام والخاص، وتحدث عن عدد من يعول من الأبناء، ولا أدري ما الإضافة التي تفعلها معرفة عدد من يعولهم المرشح لبرنامجه الانتخابي! وهناك صنف آخر آثر الصمت، رافعا شعار لا وعود إلا بعد دخول المجلس، وهذا أغرب برنامج انتخابي رأيته! ومنهم من استخدم الشعر في عرض برنامجه، والناس في ما يقدمون مذاهب.
علينا أن نعترف بأن البرنامج الواضح للمرشح غير موجود، وأن الشعارات الفضفاضة هي الغالبة، وهذا يحتاج إلى نظر، إلا أننا يجب أن نقر كذلك بأن جانبا كبيرا في اختيارنا للمرشح، لا يرجع إلى نجاعة برنامجه الانتخابي بقدر ما يرجع إلى عوامل أخرى، تلعب فيها صلة القرابة والمصاهرة والدم دورا لا يمكن إغفاله، وهذه سمة من سمات المجتمعات العربية التي لا يجب أن ننكرها أو نخجل منها، وهو ما يجعلها تتمايز عن المجتمعات الأخرى، وهذه الصلات تلعب دورا مؤثرا في الأفراح وعند الملمات، وليست شيئا سلبيا.
يعتقد البعض أن المرشحين لا بد أن يكونوا من أصحاب الأعمال الكبرى، وفي يقيني أن الشرط الأهم للمرشح هو حب تراب هذا الوطن وأبناء جلدته والرغبة في خدمتهم، مع القدرة على ذلك. فالرغبة وحدها لا تكفي، لأنها أمانة وإنها يوم القيامة لخزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها، كما هناك غياب للأكاديميين الذين يكتفي معظمهم بالجانب التنظيري، دون النزول إلى الميدان، وقليل منهم من يجمع بين الاثنين، وهذه حالة تستحق التوقف كذلك، لأننا كلنا في الأخير أبناء هذا الوطن.
على الجانب الآخر، كان على وسائل الإعلام في هذه الفترة أن تلعب دورا أكبر، من حيث إحداث حالة من النقاش المجتمعي لطرح كافة المحاور المتعلقة بالمجلس، لأن ذلك من شأنه أن يحدث حراكا اجتماعيا وتعزيزا للمشاركة السياسية التي تتطلع إليها القيادة السياسية، وأن تقوم بدورها في عملية التوعية ونشر الثقافة القانونية لدى المواطن، ولا نكتفي فقط بيوم الاقتراع، بل تكون عملية مستمرة.
وهذا هو الدور المأمول من وسائل الإعلام التي تعي دورها تجاه قضايا وطنها وتتفاعل بمسؤولية تجاهها، كما أن هذه فرصة لطرح قضايا الوطن وما يهم المواطن على طاولة البحث والنقاش، في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ دولتنا. وهذا يؤكد أننا أبناء هذه الأرض الطيبة، غير أسرى لهمومنا الشخصية، كما أن لدينا القدرة على التعاطي مع قضايا الوطن وهمومه.
إن المرحلة المقبلة تتطلب من أعضاء المجلس الوطني العمل على ما يخدم مصلحة الدولة وتقوية أركانها، وتعزيز التلاحم الوطني وإتاحة المزيد من المشاركة الشعبية، خاصة أن الجميع يعرف حجم التحديات المحيطة بنا، والتي تتطلب تقوية الجبهة الداخلية للصمود الخارجي، وبالتالي لا مفر من أن يكون المواطن في قلب العملية السياسة ومساهما فيها بشكل أساسي، لما فيه مصلحة للجميع. إنني على يقين أن القادم سيكون أفضل، إذا ما توفرت إرادتنا وصدق حبنا لحبات رمال هذا الوطن، وإن غدا لناظره قريب.