بعد التوكل على الله، واستشارة من تثق بهم من حكماء مملكة النمل، قررت النملة ترشيح نفسها للانتخابات، وأعادت فتح حساباتها التي كانت قد أغلقتها على "فيسبوك" و"تويتر" وبقية مواقع التواصل الاجتماعي، إثر الإحباط الذي تعرضت له بعد خروجها من الدائرة التي كانت تعمل فيها، معتمدة على الشهرة التي نالتها منذ أن نشرت قصة معاناتها في مقال كان عنوانه "دوائر النمل" قبل أكثر من عامين، خاصة بعد تداول المقال عبر رسائل البريد الإلكتروني، وإعادة نشره من قبل مختلف المنتديات والمواقع على شبكة الإنترنت، رغم أن البعض نسبه إلى نفسه.

وقد أنحى أصدقاؤها باللائمة عليها، لأنها لم تقم بتسجيل المقال في دوائر الملكية الفكرية حينها، غير مدركين العقدة التي أصابتها من كلمة "دوائر" هذه، لكنّ ما أسعدها أن الكثيرين قد تعاطفوا معها، إلى درجة أن بعض من قرأ المقال اعتقد أنه النملة وتوحد معها، بينما تصور آخرون أنهم المقصودون ببقية شخصيات الحكاية، رغم أنها احتاطت لنفسها فنوّهت إلى أن الحكاية وشخصياتها من نسج الخيال، وأن أي تشابه بينها وبين ما يحدث داخل بعض المؤسسات والدوائر، ليس إلا من باب الصدفة البحتة، وما زالت تؤكد ذلك.

تذكرت النملة معاناتها تلك، وما تلاها من مواقف في رحلة بحثها عن أسباب ما حدث لها، وعن الحلول الممكنة، قبل أن تنكفئ على نفسها بعد أن رأت كل المحاولات تصل إلى طرق مسدودة لتبدأ رحلة البحث من جديد، في الوقت الذي كانت الأوضاع فيه لا تتغير في الدائرة التي كانت ذات يوم دائرتها، إن لم تزدد سوءا.

وتنشر العدوى بين الدوائر الأخرى، القريب منها والبعيد على حد سواء. لذلك لم تُخْفِ النملة على الذين استشارتهم في شأن ترشيح نفسها، دهشتها لورود اسمها ضمن القائمة الانتخابية، لكنها لم تتوقف عند هذه المسألة طويلا كي لا تفسد على نفسها بهجة الحدث نفسه، ومنذ اللحظة التي رأت فيها اسمها ضمن القائمة وفكرة خوض الانتخابات تلح عليها.

فكرت النملة في الأسباب التي يمكن أن تجعل فكرة ترشيح نفسها مغرية إلى هذه الدرجة، فعلى مدى سنوات عمرها الذي قد لا يكون كبيرا مقارنة بأعمار من خاض التجربة قبلها، وقد لا يكون صغيرا مقارنة بأعمار بعض الذين كشفوا عن عزمهم الترشح، على مدى سنوات هذا العمر سمعت الكثير عن المزايا التي يتمتع بها الأعضاء، لكنها سألت نفسها: هل يمكن أن تكون هذه المزايا هي الدافع الحقيقي لترشيح نفسها؟

فكرت كثيرا في هذا السؤال، وواجهت نفسها بصراحة وصلت حد التوبيخ، لمجرد ورود هذا الخاطر الذي طالما عملت على النأي بنفسها عنه، فلو كانت من هذا النوع الذي يسعى إلى المزايا والمصالح الشخصية على حساب المبادئ والصالح العام، لما آل حالها إلى ما آل إليه، ولما وجدت نفسها خارج الدائرة التي أفنت عمرا في خدمتها.

طردت النملة من رأسها وساوس الشيطان هذه، وبدأت التفكير في البرنامج الانتخابي الذي سترشح نفسها على أساسه. فكرت من أين تبدأ، هل تبدأ من حيث انتهى بها الحال ضيفةً على قوائم العاطلين عن العمل، بعد أن كانت هي القاطرة التي تقود العمل في دائرتها، قبل أن تمتلئ الدائرة بالخبراء والمستشارين الذين أغرقوها في التنظير.

وحمّلوها من التكاليف ما جعل عجلة الإنتاج فيها تدور ببطء حتى تراجع إنتاجها، ثم عزوا ذلك إلى التضخم الوظيفي، ورأوا أن الحل الوحيد له هو التخلص من بعض العاملين، فكانت هي الضحية الأولى التي أطاحوا بها خارج الدائرة التي كانت ذات يوم دائرتها، بينما احتفظوا هم بمواقعهم وازدادوا نفوذا وسلطة؟

قلّبت النملة الفكرة في رأسها كثيرا قبل أن تستبعدها، ليس لعدم وجاهتها، وإنما خشية أن يكون دافعها، أمام نفسها قبل الناس، هو الرغبة في الانتقام وتصفية الحسابات، وتلفتت حولها فوجدت الكثير من الموضوعات والعناوين التي يمكن أن يتشكل منها برنامج غني، يستطيع أي مرشح أن يدخل به الانتخابات وهو واثق من الفوز، فهناك قضايا التعليم والصحة والإسكان والطرق والمواصلات والغلاء والهوية الوطنية وغيرها الكثير، الأمر الذي يتيح لأي مرشح مجالا واسعا للاستحواذ على تأييد الناخبين وكسب أصواتهم.

تجاوزت النملة كل هذه الأمور كي تصل إلى قرار الترشح، وبقي أمر واحد توقفت عنده طويلا، وهو توفير التمويل اللازم للصرف على حملتها الانتخابية. لم تكن تتطلع إلى السقف الذي حددته لجنة الانتخابات، فهو أعلى بكثير مما تحلم به أو تتصور، لكنّها لا تستطيع توفير ما هو دون هذا السقف بكثير، خاصة بعد خروجها من الدائرة، وفي ظل حالة البطالة التي تعاني منها منذ أكثر من عامين.

سألت نفسها: هل تبحث عمن يمول لها حملتها؟ ولكن ما هي الفاتورة التي سيتوجب عليها أن تسددها لمن سيقوم بتمويلها إذا ما قُدِّر لها أن تفوز في الانتخابات؟ وماذا لو لم تفز وذهب ما تم صرفه على حملتها أدراج الرياح؟ هل تقع فريسة الشعور بالذنب وتتحمل تأنيب الضمير طوال حياتها؟ كل هذه الأسئلة وغيرها دارت في ذهن النملة وهي تسجل اسمها في قائمة المرشحين، لبدء ماراثون الانتخابات الذي يتطلب نفسا طويلا لا ينقص نملتنا المثابرة.

ملاحظة: رغم بدء الحملات الانتخابية، ورغم إعلانات المرشحين التي غدت تغطي صفحات الجرائد، ورغم الندوات التي يقيمها المرشحون والولائم التي تصاحبها، إلا أن النملة لم تنشر حتى الآن إعلانا واحدا، ولم تقم ندوة واحدة، ولم تولم لأحد إطلاقا، الأمر الذي جعل الكثيرين يتساءلون عن مدى جديتها في خوض الانتخابات التي أصبحت على الأبواب.