منذ الرابع من شهر سبتمبر 2011، وهو موعد بدء الحملات الانتخابية لانتخابات المجلس الوطني 2011، والأنظار مشدودة بصورة يومية إلى وسائل الإعلام بأنواعها تراقب بقوة إعلانات المرشحين لخوض التجربة البرلمانية الجديدة وبرامجهم الانتخابية والشعارات التي يرفعونها. صور وإعلانات كبيرة توضع وشعارات كثيرة ترفع وبرامج عديدة تطرح كلها تدل على رغبة صادقة في تبني قضايا الوطن والمواطن كما تدل على وعي متنام بالقضايا الملحة على الصعيدين المحلي والاتحادي.

وسواء أحدثت هذه الحملات مفعولاً سحرياً ومؤثراً بين الناخبين أما لا فإنها نجحت في إحداث سباق تنافسي بين المرشحين. كما أحدثت حراكا كبيرا وترقبا في الشارع الإماراتي الذي بات ينتظر يوم الحسم. ليس فقط المواطن الإماراتي بل الكل أصبح يترقب يوم الحسم.

والكل يترقب ـــ بعد الحسم ـــ مدى قدرة المرشح على تحقيق جزء أو كل وعوده للناخبين. الملاحظة المهمة أن هذا الحراك أحدث وعيا متناميا خاصة بين جيل الشباب الذي كان قبل فترة غير آبه بما يحصل في أروقة البرلمان من مقاربات أو متغيرات أو مستجدات خاصة بما يتعلق بأمور السياسة وحتى بعض القضايا الوطنية الملحة. ما يميز التجربة الديمقراطية الثانية أيضا أنها أصبحت أكثر واقعية وأكثر قدرة على تحديد القضايا الملحة التي يعاني منها مجتمع الإمارات.

كما قضية قلة عدد المرشحين والمرشحات بالنسبة لعدد الناخبين هو شيء إيجابي عوضاً عن أن يصوره البعض شيئاً سلبياً. فالعدد الإجمالي للمرشحين وهو 469 هو عدد كبير نسبيا بالنسبة إلى مجتمع الإمارات والحراك السياسي الذي يشهده. ويرجع ارتفاع هذا العدد إلى غياب الثقافة الانتخابية وغياب الأحزاب وعدم وجود ما يسمى «ثقافة اللوبي». فلو كانت هذه الثقافة موجودة لما وجدنا أحيانا أربعة مرشحين ينتمون إلى مجموعة بشرية صغيرة واحدة كان في إمكانها أن تتفق على مرشح واحد يمكنه جمع أصوات الناخبين عوضا عن تشتتها.

وعلى الرغم من محاولة الكثير من الحملات الدعائية للمرشحين رجالا ونساء النزول إلى أرض الواقع وتبني قضايا وطنية ومجتمعية واقعية كالتعليم والبطالة وسوق العمل وتنمية المجتمع والمرأة والأسرة إلا أننا لا نبالغ إن قلنا بأن بعضاً من هذه الحملات الأخرى لا تزال تحلق في الفضاء بتبنيها لقضايا صعبة التحقيق وبعضها يتميز بالضعف في التوجه حتى إلى شرائح الناخبين أنفسهم، وليس هذا بأمر مستغرب، فالإماراتيون، خاصة الشباب، لا زالوا حديثي العهد بالمشاركة السياسية بل إن بعضهم يفتقر إلى الخبرة والنظرة الموضوعية الجيدة بتلك القضايا.

ولكن ما سوف نركز عليه في هذه المقالة هو دراسة البرامج والشعارات الانتخابية وقراءتها قراءة فاحصة لتحليل مضمونها وحسها العام لتعزيز المسؤولية الاجتماعية. فنظرة تحليلية إلى الشعارات التي طرحها بعض المرشحين نرى أن الكثير منهم حمل على عاتقه إيصال صوت الناخبين إلى المجلس وهي قضية إن حدثت فليست بذات شأن كبير. فإيصال الصوت للمجلس شيء والقدرة على تحقيق المراد من التصويت والتواصل لاحقا مع المواطن شيء آخر.

من القضايا المهمة التي حظيت بحصة الأسد في البرامج الانتخابية هو ملف التعليم، فقد حاز هذا الملف على مكانة كبيرة من إعلانات المرشحين وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على، أولا ما يحظى به التعليم من أولوية في نفوس الناس، وثانياً على بعض الهنات التي أحاطت بملف التعليم في الآونة الأخيرة حتى أصبح التعليم أحد أهم الهواجس الوطنية والحقيقية لدى الكثيرين.

ملف آخر تنافس المرشحون لحمل همومه هو ملف التوطين. فلا يزال التوطين، رغم مرور أربعة عقود على قيام الاتحاد، قضية ملحة ولا يزال التوطين أحد أهم الهواجس الملحة التي تشغل بال كل مسؤول ومواطن على حد سواء.

وإدراكا من المرشحين لأهمية التوطين وارتباطه بعدة ملفات خطيرة أخرى أهمها البطالة، والتركيبة السكانية والأمن القومي، فقد حمل الكثير من المرشحين على كاهلهم شعارات كفيلة بإيجاد حلول لهذا الملف بعضهم عن رغبة صادقة في إيجاد حل وبعضهم عن معرفة ودراية بأهمية هذا الملف في كسب أصوات الناخبين.

ملف الموارد البشرية حظي أيضا بأهمية كبيرة في شعارات وبرامج الحملات الانتخابية. فمما لا شك فيه أن هذا الملف ضروري وحيوي في دولة تولي الموارد البشرية وتنميتها أهمية قصوى. ولا شك أيضا بأن تمكين وتنمية المواطنين في سوق العمل هو قضية مهمة لتحقيق التنمية المستدامة المستهدفة. ولذا فإن البرامج الانتخابية القائمة على هذه الشعارات بإمكانها أن تجذب أصوات الناخبين وتوصل المرشح إلى قبة البرلمان.

ما غاب عن البرامج الانتخابية، خاصة الشبابية منها، هو تبنيها لبرامج وشعارات قوية لحماية الشباب وتوعيتهم من مخاطر وقضايا كثيرة أهمها النزف الدموي والسرعة على الطرقات والديون الكبيرة التي ترهق عاتق الشباب والبذخ والإسراف، وهي جميعها قضايا يمكن أن يلعب فيها المرشحون الشباب دوراً كبيراً في عملية إيجاد الحلول لأن استمراريتها إرهاق لطاقات الشباب وأرواحهم.

ما يميز تجربة الإمارات الديمقراطية أنها تجربة عربية تستحق المتابعة خاصة بعد أن عايشت وخبرت في الفترة الأخيرة تجارب عربية كثيرة وقاسية. تجربة الإمارات السياسية الوليدة تجربة صادقة نابعة عن رغبة أكيدة في إتاحة الفرصة للمواطن ليلعب دورا مهما في حل القضايا الوطنية المهمة وفي تمكين المواطن ليأخذ دوره الحقيقي في بناء الوطن.