الحقيقة أنهم ليسوا دببة بالمعنى الدقيق للكلمة. فبعد انتهاء الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي سابقا والولايات المتحدة الأميركية حاضرا، وبعد انحسار دور الأولى ثم تراجع نفوذ الثانية في العالم لم يعد هناك دببة كبار، هناك فقط (قطط متوحشة)، إن صح التعبير. فالساحة خلت، وكل من هب ودب من القطط المتوحشة تطمح بأن تأخذ مكانا وتلعب دور الأسود في عالم اختلط فيه الحابل بالنابل.
وحيث إن العالم أصبح يبحث عن لقمة عيشه، وان غريزة صراع البقاء التي تشكل حياة الغاب لم تعد مستورة في عقول البشر، فقد أصبح من الطبيعي أن تبحث الأسماك الكبيرة عن الأسماك الأصغر حجما لكي تلتهمها. وهكذا.
الأسماك الصغيرة متواجدة بوفرة في منطقة الشرق الأوسط. فهناك نحو عشرين سمكة تتنوع بين الضخمة الحجم والضئيلة جدا، ولكنها في مجملها غير قادرة على الدفاع عن نفسها بشكل منفرد. فأصبحت فريسة لقانون الغاب الذي هو ــ منذ عصر هابيل وقابيل - يشكل سمة البشر أيضا، ولكن بشكل أكثر حضارية.
ثلاث دول كان تشم عن بعد رائحة الدم في ثورات الشارع العربي، وفهموا بأن هذه الثورات الخمس الكبرى، اجتمعت وتفرقت في آن واحد. اجتمعت على حتمية التغيير وفي إطار التضامن النفسي، غير أنها لم تتحد استراتيجيا في تحقيق أهدافها. فسمحت لدول كفرنسا وبريطانيا تنفذ وتنجز الشطر العملي من الثورة.
ثم خرجت تركيا كما كان متوقعا إلى ساحة الصراع. وتركيا منذ أن تغير لديها نظام الحكم، وتحول من حكم عسكري علماني إلى حكم مدني إسلامي، وبعد أن فشلت، بالرغم من كل محاولاتها المتكررة، في تقربها إلى الغرب من خلال الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وبعد أن تأكد لها بأن باب أوروبا الموحدة سيظل موصدا في وجهها، وحيث إن لا صديق حقيقيا لها في العالم، بدأت تتحرك نحو الشرق. والشرق ليس ساحة غريبة على تركيا التي حكمتها على مدى 4 قرون باسم الخلافة العثمانية.
ثم إن الشرق الأوسط لا حاكم فعليا عليه. والشرق الأوسط إسلامي بالدرجة الأولى. والشرق الأوسط موضع منافسة دولية غير شريفة. والشرق الأوسط لم تعد الولايات المتحدة الأميركية ولا روسيا تتحكمان في أقداره كما كان الحال في القرن الماضي. فلم يعد له حارس ولا شرطي يخيف اللصوص.
والشرق الأوسط يعاني بصمت من أنانية الدول الغربية المسيحية في استغلال موارده الطبيعية ومكانته الجغرافية. والشرق الأوسط يبكي على فلسطين كما يبكي الكربلائيون إلى يومنا هذا على خذلانهم للحسين بن علي بن أبي طالب قبل 1400 سنة في حربه على يزيد بن معاوية بن أبي سفيان.
والشرق الأوسط لا يمانع بأن يلقي بنفسه في أحضان كل من يبدي رغبته في حمايته. والشرق الأوسط يعني في النهاية: موقع استراتيجي + مخزون نفطي هائل + نهر النيل والفرات + مساحات زراعية خصبة ممتدة + تاريخ حضاري ضارب في العمق + مناطق سياحية نادرة + شعوب نائمة... إلخ.
في الطرف الآخر من حلبة الصراع، شعرت فرنسا وبريطانيا بالذنب من التأخر في أخذ كامل حصتهما من كعكة شرق أوسط ما بعد هيمنة الولايات المتحدة الأميركية. وتابعتا عن بعد وبترقب حذر التحرك التركي الإسلامي المتسارع نحو المنطقة. وتأكد لهما انشغال الولايات المتحدة عن المنطقة بحروبها في أفغانستان.
ووجدتا بأن العالم العربي الإسلامي يرحب أيما ترحيب بعودة حماية الخلافة العثمانية من جديد بعد أن فشل الغرب المسيحي في كفكفة دموع المسلمين أمام خسارة الأندلس، ثم فلسطين والقدس، ثم جنوب السودان. وبعد أن أثبتت تركيا فعليا وليس خطابيا وقوفها أمام غطرسة إسرائيل خاصة عندما قررت إرسال سفينة الحرية التي أبحرت من اسطنبول لكسر الحصار عن قطاع غزة وفضح ممارسات إسرائيل، بينما كبار رجالات العرب جلسوا يتفرجون - بل يدعمون ذبح الفلسطينيين على يد (النظام الإسرائيلي) دون أن يتفوهوا بكلمة واحدة.
في إطار هذه الظروف، لم يكن أمام فرنسا وبريطانيا، التي هي أيضاً ترتبط بالمنطقة بتاريخ استعماري طويل ودام، سوى التحرك في أقرب فرصة ممكنة. وكانت الفرصة الوحيدة التي استطاعتا اللحاق بها قبل أن تفلت من بين أيديهما: ليبيا. فحسمتا الأمر ببطولة.
واستقبتلا هناك استقبال الأبطال بالتصفيق الحار كأسدين قادا الحرب على القذافي وقذفا به في صحراء النيجر. ويحق لليبيين فعل ذلك. فلولا طائرات فرنسا الحربية لانتهى الأمر بالثورة. علما بأن ثوار ليبيا لا يغيب عن بالهم أن لفرنسا أهدافا ولبريطانيا مصالح، ولن يتركوا لهم الخيار في تحديد مصيرهم بعد اليوم.
في نفس التوقيت، كان رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، يتنقل بطائرته الخاصة ما بين مصر وتونس وليبيا. الأهداف المعلنة هي نفسها: دعم الثورات في العالم العربي الإسلامي. أما غير المعلنة فنحن نستشفها جميعا. وتظل تركيا أردوغان بالنسبة للمسلمين والعرب أكثر مصداقية ونزاهة وعدالة وقربا جغرافيا وثقافيا ودينيا من بريطانيا وفرنسا. وأهداف تركيا أقل مكرا ومادية من غيرها.
بالطبع، فإن تركيا بعد أن قوي اقتصادها، وبعد أن تمكنت من رفع مستوى معيشة الفرد لديها واستقرت الأوضاع فيها، لم يعد لها من هدف سوى الهيمنة التاريخية على المنطقة المحيطة بها وإبعادها عن سباع ومخططات أوروبا الاستعمارية. كما أنها تهدف إلى فك الحصار النفسي عن تركيا.
فلو وقعت المنطقة في أحضان الدول الغربية، فهذا سيعني بأن تركيا ستقع من جديد في عزلة جغرافية وسياسية ونفسية خانقة. خاصة وأن فرنسا بدأت تدق طبول الحرب على سوريا. وإذا طبق على سوريا نفس التكتيك الذي طبق على ليبيا، فإن تركيا ستخسر طرفا مهما في حلبة صراع العمالقة الصغار.
هؤلاء العمالقة الصغار الثلاثة، بدأوا في التحرك في الوقت المناسب. ومصالحهم متضاربة وأهدافهم واحدة. ويبدو أن حظ تركيا يفوق حتى الآن بكثير حظ كل من فرنسا وبريطانيا مجتمعتين. ولو على الأمد البعيد.
غير أن الشرق الأوسط سيظل دائما وأبدا حلبة صراع دامية بين القوى الكبرى والصغرى، إلى أن يتحقق مشروع (الولايات المتحدة العربية)..... بعد مائة عام...