ذهبت السياسة التركية بعيداً من خلال تبنيها استراتيجية جديدة تجاه القضايا العربية، ويبدو أن الحكومة التركية تجاوزت الأسس التي وضعتها منذ عام 2002، التي تحاول الاستفادة من المجال الحيوي التركي، لإقامة علاقات متينة مع دول وسط آسيا (وغالبيتها من أصول تركية أو تتحدث التركية) ومع الدول العربية ولإسلامية، وتتخذ موقفاًَ من قضاياها قريباً من مواقف أصحابها، انطلاقاً من أن تركيا دولة شرق أوسطية وإسلامية وتناصر القضايا العادلة.

تتبدى الاستراتيجية التركية الحالية من خلال سياساتها الإقليمية الجديدة سواء تجاه إسرائيل أم تجاه القضية الفلسطينية، أم أخيراً من القضايا العربية الأخرى وبشكل خاص مما سمي بالربيع العربي.

لقد أعلنت حكومة حزب العدالة والتنمية أكثر من مرة دعمها للقضية الفلسطينية، وانتقدت بشدة السياسة الإسرائيلية تجاه هذه القضية، وتحفظت منذ عدة سنوات على المناورات المشتركة مع الجيش الإسرائيلي وعلى التعاون العسكري مع هذا الجيش، سواء في مجال الصناعات العسكرية أم شراء السلاح أم غير ذلك، ثم وافقت على إرسال أسطول الحرية إلى غزة لاختراق الحصار الإسرائيلي.

وكان تحدياً واضحاً للسياسة العدوانية الإسرائيلية، حيث ردت إسرائيل في إطار حماقتها التقليدية وصلفها التاريخي وقتلت تسعة أتراك غير مسلحين من دعاة حقوق الإنسان كانوا يتواجدون على ظهر هذا الأسطول، وفي ضوء ذلك، قررت الحكومة التركية قبل أسبوعين تخفيف مستوى التمثيل الدبلوماسي الإسرائيلي لديها إلى الدرجة الدنيا بحيث لا يتجاوز أعلى الدبلوماسيين في سفارتها مرتبة السكرتير الأول.

وإيقاف التعامل العسكري معها، وتجميد علاقات اقتصادية وثقافية عديدة، رداً على رفض إسرائيل الاعتذار لتركيا ودفع التعويضات لذوي الضحايا، والأكثر خطورة هو أن الحكومة التركية قررت إرسال سفنها الحربية لحماية سفن المعونة الإنسانية التي ستخترق حصار غزة في المستقبل، وهذا قرار قد يوصل الأمور إلى اشتباك مسلح مع إسرائيل.

كما وعد رئيس الحكومة التركية أن يزور قطاع غزة قريباً وهذا ما تعتبره إسرائيل استفزازاً واضحاً لها، وفي الوقت نفسه قام أردوغان بجولة في البلدان العربية الثلاثة التي غيرت رؤساءها هذا العام في محاولة لتطوير العلاقات معها، سواء في مجال الاستثمار، أم في مجال العلاقات السياسية والاقتصادية.

وربما كانت من أهدافه المضمرة التعويض عن البوابة السورية كمدخل للبلدان العربية ببوابات أخرى، بعد فتور العلاقات بين تركيا وسورية. وكانت حكومة أردوغان استدركت مواقفها الأولى غير الودية تجاه الثورة الليبية لتنسجم مع متطلبات المجلس الوطني الليبي المؤقت، وأيدت قبل ذلك الثورتين المصرية والتونسية منذ اللحظات الأولى. وبالتالي ض

منت من جديد حماية استثماراتها في ليبيا وتوسيعها، وربما تطمح إلى توظيف استثمارات جديدة في تونس ومصر، وعلى أي حال فإنه من الواضح أن أردوغان يراهن على دور تركي إقليمي واسع وعميق يتجاوز حتى فكرة المجال الحيوي التي وردت في كتاب أحمد داوود أوغلو (العمق الاستراتيجي) التي تبنتها الحكومة التركية، وقد تجاوزت السياسة التركية الحذر الذي كان يحضن سياستها الإقليمية.

والمتعلق بتجنب استفزاز السياسة الإيرانية الإقليمية. وربما تجاهل هذه السياسة والعمل على لعب دور إقليمي رئيسي قد تتحالف فيه مع مصر والعربية السعودية، وتفرض في هذه الحالة موقفها على الإدارة الأميركية والدول الأوروبية أو أنها على الأقل ستهيئ المناخ ليكون موقفها مسموعاً ودورها معترفاً به.

من البديهي أن السياسة التركية لم تتراجع عن رغبتها الشديدة بالدخول في الاتحاد الأوروبي، لكنها ما زالت تلاقي مماطلة من الدول الأوروبية وتصعيداً في الشروط، مما لم تطلبه من بلدان أوروبا الشرقية، فضلاً عن أن كثيراً من الساسة الأوروبيين صرحوا أنهم لا يرغبون بدخول تركيا منظومتهم لأن من سكانها (70) مليون مسلم، ومن المؤكد أن نجاح الاستراتيجية التركية الجديدة وتوسعها وزيادة نفوذها الإقليمي، ستكون وسائل ضغط هامة على الأوروبيين، ستؤثر في تغيير موقفهم مستقبلاً لصالح قبول تركيا.

يبدو أن أردوغان يضع في حسبانه أيضاً أن هذه السياسة والنجاحات التي من المحتمل تحقيقها إقليمياً، ستنعكس على وضعه الداخلي، وتزوده بأوراق عديدة، تساعده على تغيير ميزان القوى تجاه منافسيه الداخليين وخاصة حزب الشعب التركي. ويمكن القول أن المعارضة الداخلية التركية واقعة الآن بين أمرين متناقضين، فهي من جهة لا تستطيع أن تنكر أن حكومة أردوغان حققت نجاحات إقليمية.

وامتلكت أوراق ضغط جديدة على الأوروبيين، وهي من جهة أخرى لا تميل إلى إقامة علاقات جديدة وأخوية ومتينة مع البلدان العربية على حساب العلاقة مع إسرائيل، بل إنها لا تريد هذه العلاقة أساساً، وتعمل على بقاء تحالفها مع إسرائيل قائماً أبداً.

وأخيراً، يمكن القول أن فعالية حكومة أردوغان وممارساتها ونجاحاتها تجاوزت استراتيجيتها المقررة المتعلقة بالمجال الحيوي والعلاقات الخاصة مع دول وسط آسيا والدول العربية، وحققت استراتيجية جديدة أكثر عمقاً وشمولاً مما كانت تخطط وتتصور، كما يبدو أنها لم تعد تحسب حساباً خاصاً وكبيراً للموقف الإيراني وللسياسة الإيرانية التي تطمح بالاستئثار بدور إقليمي فعال، وتسعى سياسة أردوغان كي تكون شريكاً في رسم السياسات الإقليمية، بل إن تكون الشريك الأساس في رسم هذه السياسات.