ثانيا: دور الجامعات والمعاهد القضائية تقع على عاتق كليات الحقوق في جامعات الدولة مسؤولية المساهمة في تطوير الطلبـة والطالبـات، من الناحيتين النظرية والعملية، وذلك من خلال:
1. إنشاء أقسام متخصصة في تدريس فروع القانون المختلفة بحسب رغبة الطالب، عوضا عن تدريسه القانون بشكل عام، حيث إننا نقترح أن يخضع الطالب لدراسة مقدمات العلوم القانونية بشكلها العام في العامين الأولين لدراسته.
ومن ثم تترك له حرية اختيار التخصص في مجال معين من مجالات القانون، بحيث يدرس له هذا التخصص بشكل مفصل ومعمق، ذلك أن التخصص في علم معين بذاته والإبداع فيه، أفضل بكثير من الإلمام العام بقوانين قد لا يحتاجها الطالب في حياته العملية لاحقا. وهذا النهج لا يعد غريبا، فكثير من المهن كالطب والهندسة وغيرها، يؤمن بالتخصص ويطبقه منذ الدراسة.
2. ضرورة تأهيل الطالب الحقوقي من الناحية اللغوية، ونعني بذلك اللغتين العربية والإنجليزية على حد سواء، لأسباب عديدة، منها طبيعة المعاملات التجارية في دولة الإمارات وتركيبة مجتمع الأعمال فيها، إضافة إلى أن الطالب سيحتاج للغة الإنجليزية في كافة الأحوال، سيما إذا أراد مواصلة دراساته العليا مستقبلا، كما أن كثيرا من القوانين الحديثة المتعلقة بالمعاملات التي ظهرت، منشؤها دول أخرى سبقتنا في التجربة.
وأخيرا يجب أن لا ننسى أن المجتمع القضائي لدولة الإمارات العربية المتحدة، يضم محكمة لغتها المعتمدة والقوانين المطبقة أمامها هي اللغة الإنجليزية، فما الضير في تأهيل جيل قانوني قادر على الوقوف والترافع أمام مثل هذه المحاكم أو العمل فيها قاضياً؟
سيما أن الوصول إلى هذا الهدف يتطلب تأهيل الطالـب منذ البداية عند دراساته الجامعية، ومرورا بالتأهيل المهني في معهد الدراسات القضائية، وانتهاء بالممارسة العملية، سواء كان محاميا أو قاضيا أو مستشارا قانونيا.
ثالثا: دور معاهد التدريب القضائية والمؤسسات القانونية
1. لا شك أن لمعاهد التدريب دورا أساسيا ومهما في تأهيل وتدريب وتعليم القانونيين من أعضاء السلطة القضائية، من خلال دورات التدريب والمؤتمرات والندوات التي تعقدها بصورة مستمرة.
ولكن المطلوب أن يكون لها دور إيجابي أكبر، على سبيل المثال، من خلال التعاون مع جهات ومنظمات عالمية لعقد مؤتمر سنوي تحتضنه الدولة، بحيث تطرح فيه مواضيع قانونية مختلفة تهم مختلف شرائح المجتمع القانوني والقضائي، حتى يقف أعضاء السلطة القضائية والقانونيون على آخر التطورات والممارسات العالمية في المجالات المختلفة للمعاملات التجارية، المدنية والجنائية، ونرى أن تتم هذه المبادرة بالاشتراك بين معهدي التدريب القضائي الاتحادي ومعهد دبي.
2. نرى ضرورة منح معاهد التدريب صلاحيات أوسع وأشمل، نحو ابتكار دورات تدريب (تعليم مستمر) لأعضاء السلطة القضائية من قضاة، وكلاء نيابة، ومحامين، وحتى المستشارين القانونيين، بحيث تضع معاهد التدريب برامج تخص هذه الفئات ويلزم المعنيون بحضورها، لارتباط حضور هذه البرامج بالترقيات لأعضاء السلطة القضائية وتجديد القيد لممارسي مهنة المحاماة والاستشارات القانونية. ولا نعني بطرح هذه الفكرة وضع العراقيل وخلق الصعوبات، بقدر ما ننشد التطوير والسعي للتميز والارتقاء بالمجتمع القانوني لدولة الإمارات.
رابعا: دور مكاتب المحاماة والاستشارات القانونية
لمكاتب المحاماة الوطنية ومكاتب الاستشارات القانونية الأجنبية، دور مهم في منظومة العمل القضائي لدولة الإمارات العربية المتحدة، فهم جزء رئيسي من هذه المنظومة، ويجب ألا يقتصر عملهم على تقديم الخدمات لعملائهـم فحسب، وإنما يقع على عاتقهم جزء كبير ومهم من الأعمال والمساهمات التي بلا شك ستضيف وتزيد من كفاءة وأداء السلطة القضائية في الدولة، من خلال ما يلي:
1. تدريب المحامين والمستشارين حديثي العهد بالمهنة، من خلال وضع برامج نظرية وعملية محددة بإطار زمني، غايته تأهيل المتدرب وإلمامه بأساسيات المهنة والقواعد التي يجب أن يمضي عليها لتطوير كفاءته المهنية.
2. الاشتراك والتعاون مع معاهد التدريب القضائية، تارة عبر إرسال المحامين والمستشارين لحضور المؤتمرات والندوات التي تعقدها تلك المعاهد، وتارة عبر ترشيح المحامين والمستشارين من أصحاب الخبرة الذين يعملون في مثل هذه المكاتب، للمشاركة كمتحدثين ومحاضرين في الدورات والندوات المنوه عنها.
3. الاشتراك والتعاون مع معاهد التدريب القضائية عبر عقد ورش عمل في بعض هذه المكاتب، لا سيما إذا تعلق الأمر بتأهيل وتدريب المحامين، وذلك من خلال تعريف هؤلاء المحامين بكيفية إدارة مكاتب المحاماة والاستشارات القانونية، في كافـة النواحـي الإداريـة والمالية والتسويقيـة على سبيل المثال، وهذا يتطلب زيارات ميدانية لهذه المكاتب.
4. الاشتراك والتعاون مع الجامعات عبر وضع برامج مشتركة لزيارة كليات الحقوق، وإلقاء بعض المحاضرات القانونية الخاصة بالجوانب العملية لتطبيق بعض القوانين الإجرائية والتخصصيـة، حتى يقف الطالب على كيفية تطبيق مثل هذه القوانين من الناحية العملية.
5. إيفاد المحامين والمستشارين القانونيين العاملين في مثل هذه المكاتب، إلى دورات وندوات ومؤتمرات عالمية خارج الدولـة، وتشجيعهم على المشاركة فيها سواء كمتحدثين أو كحضور، لما لمثل هذه المشاركات من فائدة تسويقية للمكاتب وتثقيفية للمشارك حتى يقف على آخر التطورات العالمية في التخصص الذي يعمل فيه.
ختاما، نؤكد أن ما ذكرناه في هذا البحث والأمثلة التي استعرضناها حول دور الجهات المعنية لتطوير عمل السلطة القضائية، إنما نهدف من خلاله إلى التذكير بأننا نقدر الجهود التي بذلت وما زالت تبذل للارتقاء بعمل السلطة القضائية. ولكن كما كررنا، فإن التحديات كثيرة، وهي تستدعي تضافر كافة الجهود للوصول إلى الهدف المنشود، نحو مجتمع قانوني مميز لدولة الإمارات العربية المتحدة، بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى.