مرت قبل أيام الذكرى العاشرة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، التي غيرت مسارات الأحداث في العالم وطبعتها بنكهة أميركية متميزة، وذلك لأن الولايات المتحدة التي هزتها تلك الأحداث بعنف لم تألفه من قبل، حرصت على إبقاء معالمها حية في الأذهان حين قررت توظيفها لرسم استراتيجياتها المستقبلية. فقد سارعت الإدارة الأميركية إلى اعتبار ذلك اليوم منعطفاً خطيراً في تاريخها يستوجب أن ترتبط سياساتها به، بشكل ضمني أو بشكل صريح.

ورسمت وفق ذلك استراتيجية جديدة لأمنها القومي، اعتبرت فيها «الإرهاب» بمثابة الخطر الأكبر الذي يهدد هذا الأمن، ونفذتها على أرض الواقع مرتكبة الكثير من الحماقات التي ألحقت الضرر بهيبتها على المستوى العالمي، وأعادت إلى الأذهان حقبة الاستعمار البغيضة وما يرتبط بكل ذلك من مآسٍ لا يزال الكثير منها حياً في ذاكرة الشعوب.

ولعلنا نجد في هذه المناسبة فرصة للتمعن في اللوحة السريالية المرتبكة، التي وضعت فرشاتا الرئيسين الأميركيين؛ السابق جورج بوش والحالي باراك أوباما، خلال العقد المنصرم، ألواناً فاقعة ومنفرة عليها، وتقييم حصاد الحرب على هذا العدو الغريب غير الواضح المعالم، الذي سمته الولايات المتحدة «الإرهاب».

لا مناص من القول بأن مُهمة كهذه لا يستطيع الفرد سوى المرور على بعض محطاتها مرور الكرام، لأنها أكبر من قدراته، فهي مُهمة تتصدى لها عادة مؤسسات كبيرة متخصصة في الدراسات ذات الطابع الاستراتيجي.

ردود الفعل المباشرة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر، هي قيام الولايات المتحدة بتحشيد كل جهودها الداخلية والخارجية، وإعلان النفير العام لشن الحرب على «الإرهاب»، سياسياً ودبلوماسياً وإعلامياً واقتصادياً وسايكولوجياً وعسكرياً، داخل الولايات المتحدة وخارجها، فأيقظت بذلك كل نوازع الإحباط والكراهية والشرور من سباتها.

لنتوقف بعض الوقت عند مصطلح «الإرهاب»، الذي أصبح الأكثر تداولاً في الساحة السياسية الدولية منذ تلك الأحداث، للتحري عن معانيه.

لا يوجد اتفاق دولي حول معنى هذا المصطلح، فمن هو إرهابي في نظر جهة ما، ليس كذلك في نظر جهة أخرى، كما أن الأمم المتحدة لم تنجح في صياغة مفهوم له. والإرهاب وفق التعريف الذي وضعته وزارة الدفاع الأميركية، يعني «استخدام العنف أو التهديد باستخدامه لزرع الخوف، من أجل إرغام الحكومات أو المجتمعات على تحقيق أهداف سياسية أو دينية أو أيديولوجية».

هذا في الحقيقة تعريف، رغم النقص فيه، لا غبار عليه لو أخذت به الولايات المتحدة ونظرت إلى نفسها من خلاله، وراجعت سياساتها في ضوئه، وامتلكت الشجاعة لتقول للعالم أجمع ماذا رأت. ولكننا سنتجاوز ذلك إلى القول بأن إدارة الرئيس السابق جورج بوش ذهبت بعيداً جداً في غطرستها، واعتبرت كل من لا يقف معها في سياساتها المثيرة للجدل هو مع «الإرهاب».

إن تبني هذا المفهوم الذي ابتدعه الرئيس بوش للإرهاب، وبناء استراتيجيات عليه وتخصيص ميزانيات مالية ضخمة لأجله، وسفك الكثير جداً من الدماء عند وضعه موضع التنفيذ، لم يكن موفقاً، فقد أدخل الولايات المتحدة في نفق لا آخر له.

حصدت الحروب التي شنتها الولايات المتحدة على «الإرهاب»، في افغانستان والعراق وباكستان، مائتين وخمسة وعشرين ألف قتيل بمن فيهم القتلى الأميركان، وتحملت الخزانة الأميركية من جراء ذلك حتى الآن ثلاثة تريليونات وسبعمائة مليار دولار.

وهو مبلغ يعادل ربع الديون الأميركية، وخلفت هذه الحروب ما يقرب من ثمانية ملايين لاجئ في هذه الدول الثلاث. هذا ما ورد في تقرير أعدته مجموعة تضم عشرين خبيراً في تخصصات مختلفة، يعملون ضمن مشروع آيزنهاور في معهد واتسون للدراسات الدولية التابع لجامعة براون في الولايات المتحدة، والذي نشر في التاسع والعشرين من يونيو المنصرم.

وقد أشار التقرير إلى أن الولايات المتحدة قد اقترضت الأموال لتمويل هذه الحروب، ودفعت حتى الآن مبلغاً قدره 185 مليار دولار فوائد لها، ومن المتوقع أن تصل مبالغ هذه الفوائد إلى تريليون دولار بحلول عام 2020.

تجاوزت الديون الأميركية حتى نهاية يوليو المنصرم، حاجز الخمسة عشر تريليون دولار بقليل، مقتربة من السقف النهائي، حيث بلغت نسبتها 98% من مجمل الإنتاج المحلي، منها 67% ديون داخلية. ولعل من غير المبالغ فيه القول بأنه في كل شهر تزداد ديون الولايات المتحدة، وتزداد الصعوبات التي تقف أمام إيجاد حلول لها، فلم تعد الولايات المتحدة تمتلك موارد لا نهاية لها، وربما لم تعد قادرة على الذهاب إلى نهاية الشوط في حربها على الإرهاب.

كان حجم الديون الأميركية، وفق تقارير الخزانة الأميركية، في سبتمر من عام 2001 خمسة تريليونات وثمانمائة مليار دولار، فأصبح حجمها في سبتمبر 2011 خمسة عشر تريليوناً ومائة وتسعة وعشرين مليار دولار. وبمعنى آخر؛ تضاعفت هذه الديون ثلاث مرات تقريباً، خلال حقبة الحرب على الإرهاب.

لم تستطع حقبة الحرب الباردة التي استمرت أربعة عقود من الزمن، أن ترهق الولايات المتحدة مالياً كما فعلت الحروب على «الإرهاب» في عقد واحد من الزمن. ومع ذلك ليس بإمكان الولايات المتحدة الادعاء بقضائها على «الإرهاب»، أو أن مخاطره قد تراجعت كثيراً عما كانت عليه قبل عشر سنوات. فالحرب على «الإرهاب» لم تنته بعد.

وربما لن تنتهي، لأن الولايات المتحدة تحارب عدواً غير واضح المعالم، قد يكمن غداً في إحدى ولاياتها كما حصل في تفجيرات أوكلاهوما في إبريل عام 1995. كما أنها أصبحت غير قادرة على الاستمرار في هذه الحروب بنفس الدرجة من الفاعلية والاندفاع، بسبب مشاكلها المالية المتفاقمة، التي بدأت تقعدها وتحجم دورها السياسي في العالم.

لا تزال أمام الولايات المتحدة فرصة إعادة النظر في سياساتها، والتخفيف من عنجهيتها وغلوائها، والبدء في وضع ثقل أكبر ناحية مكافحة الإرهاب بأسلوب آخر، وهو معالجة أسبابه وتفهم دوافعه، والعمل على استغلال ثقلها السياسي الدولي لتحقيق العدالة والمساواة، وإعادة النظر في بنية الاقتصاد العالمي والأخذ بأيدي الدول الفقيرة، وانتهاج سياسة تبعث الآمال في النفوس بغد أفضل، بدل زرع القنوط واليأس الذي يلقي بالشباب المحبط في أحضان المنظمات الإرهابية.