يقول مارك توين، ذلك الكاتب الأميركى الساخر والفذ، ان التاريخ لا يكرر نفسه بالضبط، وإنما فقط «تتناغم» (rhyme) أحداثه بعضها مع البعض الآخر. تذكرت هذا القول الطريف (والصحيح في رأيي) عندما لاحظت أوجه شبه مهمة بين بعض ما يحدث في العالم اليوم، وما حدث في ثلاثينات القرن الماضي، أي منذ ثمانين عاما.
إن كتب التاريخ عندما تتكلم عن الثلاثينات، تذكر على الأخص الأزمة العالمية التي بدأت في 1929 واستمرت إلى نهاية الثلاثينات، أي استمرت عقدا بأكمله، وامتدت من العالم الغربي إلى دول العالم الفقير الدائرة في فلك الغرب، ولم تنج منها إلا الدول التي كانت قد عزلت نفسها اقتصاديا عن العالم، واتبعت سياسة الاكتفاء الذاتي، فلم تعتمد اعتمادا ذا شأن على التجارة الدولية أو على حركة رؤوس الأموال الأجنبية. كان الاتحاد السوفييتي هو إحدى الدول القليلة التي نجت من آثار الأزمة العالمية، إذ أقام سدا منيعا حوله يقيه من الرياح الآتية من الغرب.
اتسمت هذه الأزمة العالمية بانتشار البطالة (حتى بلغت نسبة البطالة في بعضها، كما في بريطانيا، أكثر من نصف القوة العاملة)، وانخفاض الناتج القومي بشدة، وإحجام أصحاب رؤوس الأموال عن القيام باستثمارات جديدة، وانخفاض الاستهلاك والاستيراد، مما يعني انخفاض الطلب على صادرات الدول الأخرى، ومنها الدول الفقيرة التي يعتمد اقتصادها على تصدير مواد أولية للدول الصناعية، فأصيبت بدورها مما أصيبت به الدول الغنية، من ارتفاع معدلات البطالة وانخفاض معدلات نمو الناتج والاستثمار.. إلخ.
في نفس هذا العقد، عقد الثلاثينات، قويت ظاهرتان سياسيتان، من السهل أن نتبين العلاقة بين كل منهما وبين الأزمة الاقتصادية: وأقصد بهما الميول الفاشية والميول اليسارية. كان قيام الحكم النازي والفاشي في ألمانيا وإيطاليا، ونمو النزعة اليسارية في العالم الغربي كله، استجابة إلى حد كبير للأزمة الاقتصادية، وبالذات لانتشار البطالة.
فقد ظهر من ناحية، أن النظام الرأسمالي عاجز عن مواجهة الأزمة بحلوله التقليدية: الاعتماد على قوى السوق والحافز الفردي، وعلى تنافس عدد قليل من الأحزاب الكبرى على تولي الحكم، بينما لا تعبر هذه الأحزاب في الحقيقة إلا عن مصالح أصحاب رؤوس الأموال. قام الحزبان، النازي والفاشي، ليعدا الناس بحلّ الأزمة والقضاء على البطالة، عن طريق دولة قوية لا تلتزم بمراسم الديمقراطية الرأسمالية، ولكنها تعبّر عن تطلعات الناس، وتقوم بتحقيقها.
في نفس الوقت أعطت الأزمة الاقتصادية دفعة قوية للفكر اليساري، الذي كان قد أصابه الضعف في ظل الرخاء النسبي الذي ساد خلال العقود الثلاثة السابقة، وفي ظل ما حققته النقابات العمالية خلالها من مكاسب. الأزمة الاقتصادية الطاحنة، أدت إذا إلى تقوية الدعوة إلى إعادة توزيع الدخل، كما قوت الدعوة إلى مزيد من تدخل الدولة.
وكان ظهور كتاب الاقتصادي الإنجليزي الشهير جون مينرارد كينز (J.M.Keynes) في 1936، استجابة مباشرة لهاتين الرغبتين. فكتابه (النظرية العامة في العمالة والفائدة والنقود) الذي يعتبر من أوسع الكتب الاقتصادية انتشارا وتأثيرا في القرن العشرين، وإن كان في الأساس كتابا في النظرية الاقتصادية، وفيه من التحليل النظري أكثر مما فيه من السياسة، كان هدفه في الحقيقة الدعوة بقوة إلى تحقيق هذين الهدفين: دور أكبر للدولة من أجل الخروج من الأزمة الاقتصادية، وسياسة اقتصادية تؤدي إلى إعادة توزيع الدخل لصالح الفئات الأكثر حاجة إلى الإنفاق، مما يساهم بدوره في القضاء على الأزمة الاقتصادية.
كان من الطبيعي أن تعود إلى الذهن هذه الذكريات المتعلقة بالثلاثينات من القرن الماضي، بحدوث الأزمة المالية العالمية منذ ثلاث سنوات (2008)، والتي سرعان ما تحولت إلى أزمة اقتصادية عالمية، وُصفت بأنها أسوأ ما واجهه الاقتصاد العالمي منذ أزمة الثلاثينات. فهذه الأزمة التي كان يُظن أن من الممكن القضاء عليها في شهور قليلة، ما زالت مستمرة حتى الآن.
وقد اقترنت بارتفاع شديد في معدلات البطالة في مختلف الدول الرأسمالية، وانخفاض شديد في معدلات نمو الناتج القومي، وما صاحب ذلك من تدهور مستوى المعيشة للفئات الاجتماعية الأكثر فقرا، فإذا بنا نسمع عن نمو سريع في عدد من فقدوا مساكنهم وأصبحوا بلا مأوى، حتى في أكثر البلاد الغربية رخاء، وعن انخفاض مستوى الخدمات الاجتماعية التي كانت هذه الفئات تعتمد في الحصول عليها على دعم الدولة، مع تعلل الحكومات بالأزمة لتبرير ضغط إنفاقها في هذه الخدمات.
مرة أخرى، نجد الدعوات تشتد إلى دور أكبر للدولة في الاقتصاد، لتحقيق درجة أكبر من العدالة في توزيع الدخل، والحديث لا ينقطع في وسائل الإعلام عما كشفت عنه الأزمة من خطأ الاعتماد اعتمادا كاملا على السوق الحرة وعلى الحافز الفردي، بل وعن فشل النظام الرأسمالي بوجه عام. كما نجد الحديث يعود للإشادة بآراء كينز، وأنها ملائمة الآن كما كانت ملائمة في الثلاثينات، بعد أن تعرضت أفكار كينز للهجوم الشديد منذ السبعينات، وظن الاقتصاديون أن آراءه لم تعد تلائم العالم الجديد.
بل إننا نلمح نموا حتى في النزعة إلى الفاشية في بعض البلاد الغربية، إذ ترتفع درجة التعصب، وينادي البعض بطرد المهاجرين من بلاد العالم الفقيرة، بل ويُعتدى عليهم بالقتل أو الضرب، إذ ينظر إليهم على أنهم ينافسون عمال البلد الأصليين على الوظائف وفرص العمل القليلة المتاحة، وتتكرر أحداث الاعتداء العنصري التي تعكس شعورا بالمرارة والسخط، لا بد أنه استمد قوة إضافية من المحنة الاقتصادية.
التاريخ لا يكرر نفسه بالضبط، هذا مؤكد، ولكن من المؤكد أيضا أن مارك توين كان على صواب عندما قال إن هناك تناغما بين الأزمة الاقتصادية التي حدثت منذ ثمانين عاما، وبين ما أدت إليه الأزمة الاقتصادية الحالية.
والمقصود من لفت النظر إلى هذا التناغم، ليس بالطبع أن نطبق نفس الحلول بالضبط التي قُدمت لأزمة سابقة، فالعالم قد تغير في أمور أخرى كثيرة، ولكن المقصود أن نعيد التفكير في ما كان صالحا حينئذ ولا يزال صالحا الآن، والمقصود أيضا أن نتجنب الظن (كما ظن بعض المفكرين منذ عشرين عاما)، أننا قد بلغنا غاية المنى في اكتشاف النظام الأمثل، أو أننا قد بلغنا على حد تعبيرهم «نهاية التاريخ».