سؤال قديم جديد؛ هل تؤثر وسائل الإعلام في المجتمع وهي صاحب اليد العليا في التأثير على المشاهدين وهم لاحول لهم ولا قوة في ما يعرض عليهم، أو حتى في مقاومة التأثير الذي لا قبل لهم بمواجهته، أو التفكير في ما يقدم إليهم وما عليهم إلا أن ينساقوا في ركب الهدف المقصود؟ أم أن الجمهور يؤثر كذلك في وسائل الإعلام وله دور في تحديد ما يعرض وما لا يعرض، وأن المسألة الإعلامية في التعامل مع الجمهور ليست بهذه البساطة وإن شئت الدقة ليست بهذا الاستعلاء؟!

الحق أن العلاقة بين الجمهور ووسائل الإعلام هي علاقة تبادلية من ناحية التأثير. فوسائل الإعلام تؤثر في الجمهور، وتستطيع أن تلقي الضوء بشكل مكثف على قضايا محددة فتجعلها محور اهتمام وتفكير الناس، وإن كانت لا تستطيع أن تحدد طريقته واتجاهه بنفس القوة. بل إن وسائل الإعلام تقوم أحيانا بصناعة واقع غير موجود على الأرض، وتحاول تكريسه. وهذه من المشكلات المهنية الكبرى، وفي أحيان أخرى تهيئ المشاهد لقبول واقع جديد، وقد يأخذ الجمهور فترة ليست بالقصيرة حتى يكتشف الفرق بين الواقع المعاش والواقع المقدم من وسائل الإعلام، لأن وسائل الإعلام قد تستطيع خداع بعض الناس لبعض الوقت، ولكنها لا تستطيع خداع كل الناس كل الوقت.

كما أن الجمهور يؤثر كذلك في مضمون وسائل الإعلام، وإن كان ذلك لا يتم بنفس المستوى. فالجمهور ليس كتلة واحدة أو كما متجانسا في المستوى التعليمي والثقافي ونفس القدرة على الوصول بصوته إلى الوسيلة ذاتها. وعندي أنهم ينقسمون في ذلك إلى شرائح، فهناك بلا شك جمهور يؤثر في الرسالة المقدمة ولا يتأثر، وهؤلاء هم المفكرون وأصحاب الرأي، وهم المشاركون في صناعة الرسالة الإعلامية التي يسعون من خلالها إلى نشر فكرهم والإحساس بالقدرة على التأثير في الغير. وهناك جمهور يؤثر في وسائل الإعلام ويتأثر بها في نفس الوقت معا، وهم المثقفون وقادة الرأي. كما أن هناك شريحة ثالثة تتأثر ولا تؤثر، وهم عامة الناس ومن يعتمدون بشكل رئيس في وسائل الإعلام على استقاء المعلومات ومعرفة ما يدور حولهم من أحداث.

الشاهد أن العلاقة التأثيرية بين الجمهور ووسائل الإعلام، ليست أحادية الاتجاه كما يعتقد البعض، ولكنها علاقة تبادلية لمصلحة الطرفين. فوسائل الإعلام تسعى إلى التأثير في الجمهور من خلال تقديم المضامين التي يقبل على مشاهدتها، إذ لا قيمة لأي مضمون دون أن يكون هناك التفاف حوله من المشاهدين، كما أن وسائل الإعلام تتأثر بالمشاهدين من خلال منظومة القيم التي يؤمن بها المجتمع، والتي من الخطورة بمكان تجاهلها أو القفز عليها، سواء كان هذا في النظم التسلطية أو الدكتاتورية أو كان في أكثر النظم ديمقراطية وانفتاحا، وسواء كان ذلك في زمن البث الأرضي يوم أن كنا نتحدث عن السيادة الإعلامية للدولة على حدودها، أو كان ذلك في عصر الفضاء أو العولمة وما بعدها.

كما أن الأيديولوجية السياسية التي يتبعها النظام السياسي، لها دور في تحديد ملامح الرسالة المقدمة، فما يلقى القبول في نظام سياسي محدد قد لا يلقى نفس القبول في نظام آخر، كما أن تغيير النظام السياسي يتبعه في غالب الأحايين تغيير في الرسالة المقدمة.

إن الرسالة الإعلامية المقدمة هي عنوان ثقافة الشعوب وظاهر ما يعتقدون، فإذا أردت أن تعرف حال أمة من الأمم ومدى نضج أبنائها ووعيهم وما يشغلهم، وجوانب التميز لديهم في مختلف الجوانب الإنسانية، فما عليك إلا أن تتابع ما يقدم عبر وسائل إعلامهم.

وهنا لنا وقفة، حيث يعتقد البعض أننا ينبعي أن نعيش الآن تحت إطار الثقافة العالمية في ظل هذا الاكتساح الإعلامي الغربي، وأن التمسك بالثقافات والهوية الوطنية هو وهم قديم، مختزلين ثقافات الشعوب وتراثهم في هوية الصوت الأعلى، ومستندين إلى ما يسمى بديناميكية الثقافة التي لا تثبت أو ترتبط بهويات محددة. والحق أن في هذا تبسيطا مخلا واستخفافا لا يجوز، خاصة أن النماذج الغربية لا تعكس ثقافة الشعوب العربية ولا تعمق ارتباطهم بهويتهم، مما يجعل المواطن العربي يشعر بالغربة عندما يتابع ما يقدمه إعلامه الوطني.

إن الهوية الوطنية هي الإرث الذي لا ينبغي تبديده مهما كانت التحديات، فلا تتحدد ملامح الأمم من خلال الأنظمة السياسية التي تتبناها فحسب، ولكن أيضا من خلال ثقافتها وفكرها ومسلكها ومساهمتها في الميحط الإنساني بزاد ثقافي وفكري وفني ورصيد قيمي يدعو للفخر والاعتزار، وهو ما يميزها ويدعو الغير لاحترامها، دون أن ترتضى لنفسها أن تكون ثقافتها نسخا مشوهة لثقافات غيرها من الأمم.

إن الغرب يسعى من خلال وسائل الإعلام، إلى تصنيع الثقافة العالمية التي تحقق له مراده، من خلال مواد إعلامية يتم تقديمها وتسويقها بشكل محكم، لتحقيق أهداف ومصالح قوى محددة تسعى للسيطرة على الثقافات الأخرى وطمس هويتها، وهو ما جعل بعض الدول يفرض طوقا من العزلة الثقافية، لا نفضلها ولا ندعو إليها، خوفا من هذا الطوفان.

والإعلاء من شأن الهوية لا يحافظ فقط على تميز الثقافة الوطنية وترسيخها، بل هو الضمانة الرئيسية للحفاظ على وحدة النسيج الاجتماعي، من خلال اشتراك الجماعة الوطنية بكافة شرائحها في تبني نمط أعلى من السلوك والسمات والأهداف، وشعور كل واحد بأنه غصن في شجرة الوطن الراسخة بجذورها في أرض صلبة، كما تحث أفراد الوطن الواحد على جعل ثقافتهم الوطنية ومنظومتهم القيمية، هي الميزان والمرجعية عند تبني نمط معين للفكر أو اتباع سلوك محدد، رغبة منهم في الحفاظ على انتمائهم لنفس الجماعة الإنسانية.

إنني أدعو كافة المؤسسات الوطنية المعنية بالتنشئة الاجتماعية ونشر الفكر والثقافة، بدءا من وزارة التربية والتعليم وليس انتهاء بالثقافة والإعلام، إلى أن يتم الارتكاز إلى الهوية الوطنية في كافة الاستراتيجات التي يتم اتباعها والخطط الموضوعة، بحيث لا يتم التعامل مع الهوية بشكل موسمي فقط عند اقتراب الاحتفال باليوم الوطني للاتحاد، الذي نستشرف قدومه ثم نجد أنفسنا أمام إعصار من التغريب، يقتلع في طريقه أغلى ثوابتنا في مناهجنا التعليمية ووسائل إعلامنا. إن طمس الهوية في الوطن غربة، كما أن التمسك بالهوية في الغربة وطن.