بشكل متزامن ومتوازٍ، أعلنت كل من طهران وتل أبيب في آخر أغسطس الماضي، عن إرسال قطع بحرية حربية إلى عرض البحر الأحمر. وبينما استخدمت تل أبيب خطابا إعلاميا مراوغا حين وصفت خطوتها بالروتينية والمألوفة، كانت طهران أكثر صراحة ومباشرة عندما قالت بلا مواربة إن بعثتها تهدف إلى استعراض قوتها العسكرية، وأنها ".. جزء من خطة أوسع لزيادة الانتشار الإيراني في المياه الدولية.."، ولم تستثنِ من هذا الطموح المحيط الأطلسي الذي يشاطئه عالم الغرب، الأوروبي شرقا والأميركي غربا!
تجدر الإشارة هنا إلى أنه قبل ثلاثة أشهر من هذا التحرك بالتمام، كانت إيران قد أرسلت عددا من الغواصات مختلفة الأحجام والقدرات إلى البحر الأحمر، لهدف معلن ثقيل الوزن يناسب دولة عظمى هو "جمع معلومات حول القطع البحرية لسائر البلدان ورصد تحركاتها..".
من بين أكثر من 40 مدينة وقرية ومئات المنشآت العمرانية البشرية المشاطئة للبحر الأحمر، الذي يمتد لأكثر من 2200 كيلومتر، لا تستحوذ إسرائيل إلا على منفذ وحيد شحيح لبضعة كيلومترات. بل وثمة ما يوجب اعتبار هذا المنفذ ضمن المناطق المتنازع عليها مع مصر، كون إسرائيل أضافته عنوة إلى جغرافيتها في غمار الحرب مع العرب 1948/1949، ثم حولت اسمه من أم الرشراش إلى إيلات.
إذا كان الادعاء بحق الوجود والانتشار والتجوال العسكري المفتوح في مياه البحر الأحمر، الذي يكاد أن يكون بحرا عربيا داخليا، يبدو ضعيف الإسناد إسرائيليا، فإنه بالتأكيد معدوم الإسناد كليا بالنسبة لإيران التي تبعد آلاف الأميال عن هذا البحر ولا تشاطئه بالمرة، ولعل جغرافيتها لا تدخل في مجاله الحيوي إلا بشق الأنفس.
سيقول البعض إن الهيمنة العربية الإسلامية على البحر الأحمر قد أفلت منذ خمسمائة عام، حين اخترقه الأسطولان البرتغالي والإسباني، ثم تلاهما وورثهما الأسطولان البريطاني والفرنسي.. إلى أن وصلنا إلى التدويل الأكبر في عهد الحرب الباردة، من قبل أساطيل القطبين الأميركي والسوفيتي. بيد أن القياس هنا ينبغي أن يكون مع أكثر من فارق.. منها، أن عرب القرن السادس عشر لم يستمرئوا الانتشارالبحري الأوروبي الغربي بين ظهرانيهم في هذا البحر، إلى الدرجة التي يقال إنهم استنجدوا بالقوة العثمانية الإسلامية الصاعدة وقتذاك، بحسبها الأقرب إليهم رحمى والأحرص على صيانة حماهم البحري، بدلا من سطوة أساطيل الفرنجة.
كما أن التنافس الحديث والمعاصر على البحر الأحمر، كان يجري عموما وما زال في إطار الصراع العالمي على قمة النظام الدولي، وهذا الوصف لا يصدق على الاندياح الإسرائيلي والإيراني الراهن المتنامي، الذي تغلب عليه ملامح الصراع بين قوى إقليمية.
نحن بذلك نلمح إلى عدم استقامة التذرع بوجود أساطيل القوى العظمى، لتبرير إغماض العين العربية الاستراتيجية عن ولوج القوتين الإسرائيلية والإيرانية على الخط، والسماح لهما بالوجود والتكاثر في عقر البحر الأحمر. وفي تقديرنا أن أمرا كهذا يسهل وقوع مناوشات بين هاتين القوتين، في منطقة تساكن ضفافها أرواح وممتلكات عربية صرفة.
فمما لا يذكره الإيرانيون والإسرائيليون، أنهما يكثفان وجودهما في الجزر القريبة من باب المندب وبحر العرب، على نحو يتيح لهما مراقبة تنقلات السفن والأساطيل التجارية وغير التجارية، في السعودية واليمن والسودان والصومال. ويقال إن التزلف الإسرائيلي إلى أريتريا أتاح لها إقامة قاعدة في الجزر الأريترية، فيما تمكنت إيران بدورها من تحقيق الهدف ذاته في ميناء عصب على مشارف حدود جيبوتي.
الشاهد في كل حال أنه إذا كانت موازين القوى لا تسمح لعرب اليوم بتطبيق حقيقة عروبة البحر الأحمر بالكامل وعزله عن تجاذبات المهيمنين على قمة النظام الدولي، فإن النظام العربي يملك التعامل بغضب وصلابة مع توغلات القوى الإقليمية.. فمن يعترض بالقول على جرجرة هذا البحر إلى صراعات القوى العظمى، ويسعى جاهدا إلى إخلائه من أسلحة الدمار الشامل، يتعين عليه، من باب أولى، الاعتراض بالقول والفعل على تحويل هذا البحر إلى مجال للتنافس واختبارات القوة ولي الأذرع، وربما الصدام بين إسرائيل وإيران.. وهذ أضعف الإيمان.