جميل هذا الحراك الذي أحدثته الحملات الانتخابية لمرشحي المجلس الوطني الاتحادي، الذي مــن المقــرر أن تجــري انتخــاباته يوم الرابــع والعشرين من شهــر ســبتمبر الجــاري، والأجمــل منه هــذه الوجوه التي تطرح نفسها لخوض هذه الانتخابات؛ وجوه جديدة، حظــوظها في الوصول إلى المجلس الوطني الاتحادي متساوية تقريباً، رغم أن بعضها معــروف.
وأكــثرها يطرح نفسه على الساحــة للمرة الأولى، لكن الاعتماد على الشهرة وحدها، في رأينا، ليس كافياً لضمان الفوز. نقول هذا من واقع تجربة الانتخابات الأولى عام 2006، حيث فازت وجوه أقــل شــهرة مــن وجــوه معروفــة رشحت نفسها. وليــس في هــذا تقليل من شأن الذين رشحوا أنفسهم في انتخابات عام 2006، ولا الذين يرشحون أنفســهم هذا العام، وإنما من باب الاستقراء والتحليل.
كما أن حجم الصرف على الحملة الانتخابية ليس كافياً وحده لضمان الفوز، مثلما اتضــح من التجربة السابقة أيضاً، فهل تكون البرامج الانتخابية هي الفيصل والمحك الذي سيضع عليه الناخبون مرشحيهم للأخذ بيدهم إلى المقاعد العشرين التي يتنافسون عليها؟
يبدو أن التعويل على هذا العامل وحده أيضاً غير كاف، وذلك نظراً لأن أغلب البرامج التي يطرحها المرشحون متشابهة تقريباً، وإن كان بعضها مغرقاً في الطموح الذي هو حق مشروع لهم كممثلين محتملين للشعب في المجلس الوطني الاتحادي، مثلما هو حق مشروع لشعب الإمارات الذي يتطلع لتطوير المجلس الذي يمثله.
ومنحه المزيد من الصلاحيات التي تنتقل به من مجلس استشاري إلى مجلس تشريعي، يمارس اختصاصاته وفق سياسة التمكين التي حددها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، في كلمته بمناسبة العيد الوطني الرابع والعشرين.
والتي دعا فيها إلى تفعيل دور المجلس الوطني الاتحادي وتمكينه ليكون سلطة مساندة ومرشدة وداعمة للمؤسسة التنفيذية، من خلال العمل على أن يكون مجلساً أكبر قدرة وفاعلية والتصاقاً بقضايا الوطن وهموم المواطنين، تترسخ من خلاله قيم المشاركة ونهج الشورى، من خلال مسار متدرج منتظم، عبر مسيرة تكلل بمزيد من المشاركة والتفاعل بين أبناء الوطن.
المرشحون الذين بلغ عددهم 468 مرشحاً، وفقاً للقائمة النهائية التي اعتمدتها اللجنة الوطنية للانتخابات بعد انتهاء فترة الطعون، في انتظار الموعد النهائي لتقديم طلبات الانسحاب الذي حددت له اللجنة يوم الحادي والعشرين من شهر سبتمبر، هؤلاء المرشحون يعرفون جيداً أن عشرين مرشحاً منهم فقط هم الذين سيبقون على خشبة المسرح، بينما سيترجل الباقون حاملين معهم ذكريات تجربة هي بكل المقاييس مفيدة، رغم عدم التوفيق في الوصول إلى نصف مقاعد المجلس المحجوزة لهم.
اللافت للنظر في الحملات الانتخابية لمرشحي عام 2011 هو لجوء الكثيرين، إن لم تكن الغالبيــة العظــمى منهــم، إلى فتــح حسابات لهــم على مواقع التواصل الاجتماعي مثل «فيسبوك» و«تويتر»، للتواصل مع الناخبين، في ظاهرة اعتبرها البعض سلبية، كونها تقلل من فــــرص التواصــل المباشــر بين المرشحين والناخبين.
وتخلق عالماً افتراضياً لا يمَكِّن الناخب من التعــرف إلى شخصية المرشــح وثقافتــه ومقــدرته على التعبير عن هموم المواطنين ومطالبهم، وتنفيذ البرامج التي يبدو بعضها فضفاضاً لا يتناسب مع صلاحيات المجلس المحدودة.
بينما رأى البعض الآخر في هذه الوسيلة نقلة نوعية في أسلوب التواصل بين المرشحين والناخبين، تتفق مع طبيعة العصر وما يحدث في المجتمعات الأخرى، خاصة بعد أن لعبت مواقع التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في تشكيل الرأي العام بين الشعوب، بل ودفعت بعضها إلى ما هو أكثر من مجرد الاكتفاء بالجلوس على مقاعد المتفرجين وحولتهم إلى مشاركين في التغيير، مثلما حدث في البلدان التي مر عليها فصل الربيع العربي فأحدث فيها ما أحدث، وغيّر فيها ما غيّر، ونقلها من شأن إلى شأن، في انتظار الشكل الذي ستستقر عليه الصورة في تلك الدول.
هل تكون مواقع التواصل الاجتماعي هي الفيصل في ترجيح كفة مرشح على آخر؟ هذا ما علينا انتظاره حتى رؤية الأسماء العشرين التي سينكشف عنها الستار في نهاية المنافسة، التي ستقدم لنا وجوهاً جديدة سوف تنضم إلى قائمة الوجوه التي سبقتها إلى عضوية المجلس الوطني الاتحادي.
وهو هدف من أهداف هذه الانتخابات التي تشكل مرحلة من مراحل التمكين، التي تحدث عنها صاحب السمو رئيس الدولة في خطابه التاريخي عام 2005. لكن الأهم من معرفة هذه الأسماء، هو أن يستمر تواصل المرشحين جميعاً مع المواطنين. لا نستثني من ذلك أحداً، كي لا يذهب التفكير إلى أولئك الذين نجحوا فقط، فهذه الانتخابات ليست هي نهاية المطاف.
وإنما هي وسيلة من وسائل التعبير عن الرغبة في خدمة الوطن، وقاعة المجلس الوطني الاتحادي ليست هي الساحة الوحيدة التي يمكن من خلالها خدمة الوطن، فمن يريد مصلحة الوطن وخدمته سوف يجد متسعاً من المكان وفسحة من الزمان داخل المجلس وخارجه.
نقول هذا لجميع المرشحين كي لا يغلق أصحاب الحسابات حساباتهم بعد انتهاء الانتخابات، وعلى الأخص أولئك الذين سيجانبهم التوفيق، قبل أولئلك الذين سيسجلون أسماءهم في قائمة التكليف قبل التشريف، فخدمة الوطن شرف للجميع، داخل المجلس وخارجه، واستمرار التواصل بين المرشحين الذين ينشطون هذه الأيام وبين المواطنين بعد ظهور نتيجة الانتخابات، هو الاختبار الأهم الذي ننتظر جميعاً نتيجته أكثر من انتظارنا لنتيجة الانتخابات نفسها.